من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
فاتحة الكتاب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
بنى لي الْمجد آبَاء كرامورثنا مجدهم باعاً فباعا
وهذبني الإباء فقات طرفِيوكل بعد يجرى مَا استطاعا
وقبلهما مِمَّا يصل حبلهما ويصف فضلهما
وَمَا للنَّاس منا غير رعييفيدهم رفاهاً وانتفاعا
فيمنعهم وَمَا شعبوا مضاماًويوسعهم وَمَا سغبوا انتجاعا
وَلَهُم رضى الله عَنْهُم وَسمعت ذَلِك مِنْهُم
أجب داعيتها فالنجيب يُجيبوشب لظاها فالنخيب يخيب
وشم عَزمَة لَا يغمز الْعَجز متنهافذو الْعَزْم فِي الْيَوْم الصعيب يُصِيب
وَلَا تبتغ العلياء إِلَّا بأبيضلغربيه فِي هام الكماة غرُوب
وأسمر غر شيب الوقع رَأسهأَلا إِنَّمَا بعد القشيب مشيب
وَإِن شِئْت قلت النَّجْم توج رَأسهفلاح لَهُ بَين الْقُلُوب ثقوب
ينضنض صلاً ثمَّ يهوى كَأَنَّهُرشاء لَهُ قلب الكمى قليب
وصفراء ربتها الْجُيُوب وراوحتذوائبها فَوق الجبوب جنوب
إِذا عيج متناها أُقِيمَت شباتهافَمِنْهَا سروب لَا يرى ورسوب
فَإِن سدكت بالكف أَو فل خطوهافخطو بنيها فِي الحروب رحيب
وأجرد يستجلى بأوضاحه الوغىوَقد جنها يَوْم الرّكُوب عكوب
إِذا مَا استحر الضَّرْب وأشتجر القنابدا وَهُوَ فِي حَال
لَهُ من سعالى الْجِنّ خلق مطهميروع وَمن هوج الرِّيَاح هبوب
بِتِلْكَ ينَال الْوتر لَو حَال دونهسهوب وحالت عَن مداه لهوب
فرع عَنْك أَبنَاء الزَّمَان فكلهملَهُ عِنْد تمحيص الغيوب عُيُوب
فَلَا توردنه وردك الصفو إِنَّهشروب وَعند الحادثات سروب
اوى الرِّجَال فباسملَهُ عِنْد هباب الخطوب خطوب
قربى يعرد هايباويبأى إِذا الْحق النؤوب يؤوب
إِلَى الْخَلِيل محلّةوَقد جعلت
يَديك فَإِنَّهُسَوَاء قريب فِي الورى وغريب
[أَلا فاستعتن واستعن بِاللَّه إِنَّهلفتح بِتَقْدِير الرَّقِيب قريب
وَلَهُم أَيّدهُم الله فِي اسْتِقْبَال حَضرتهمْ الْعلية من بعض غزواتهم الميمونة
تقر جفون عَيْنك بالقراروَمن شَرط الْهوى رعى االذراري
ألاح الْبَرْق مُعْتَرضًا فغارتنُجُوم الْأُفق من مَاء ونار
خفى يسرى وظل الدمع يجرىفواحرباه من سَار وجار
وهاب الْبَدْر أَن يفرى دجاهفَمَال عَن الشرار إِلَى السرَار
وساءل مُسْندًا يرويهِ عنيفحدثه الزَّفِير عَن إدكار
سقى أَعْلَام تونس فالحنايافمقتبل العشية والعرار
فواكبداه من شوق تناءتنهايته على قرب المزار
وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًاإِذا دنت الديار من الديار
وَمن قلائدهم المزرية بقلائد العقيان المربية على فرائد الجمان
وحوراء تستعلى بنهدين أشرعاوَلَا غرو أَن يَدْعُو هَواهَا فَأتبعهُ
تَقول وَقد رقت لما بِي أجازعوَأَنت جرئ ولأسنة مشرعه
فَقلت لَهَا جفناك عزا تجلديونهداك هَذَا نفس هيمان موجعه
وَمَا زلت ألقِي الْقرن يعسل رمحهفَمن لي بِمن يلقى الْفُؤَاد بأربعه
صدر هَذَا عَنْهُم دَامَت سعادتهم وَقد أنْشد بمجلسهم العلى للْقَاضِي أبي بكر بن الْعَرَبِيّ فِي مداعب لَهُ من فتيَان الملثمة هز رمحه عَلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِهِ إِلَيْهِ
يهز على الرمْح ظَبْي مهفهفلعوب بألباب الْبَريَّة عابث
فَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لاتقيتهوَلكنه رمح وثان وثالث
كَذَا قَرَأت فِي ديوَان شعرهم أدام الله تأييد أَمرهم وهما عِنْدِي للْقَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن غَالب بن عَطِيَّة أنشدنيهما القَاضِي أَبُو سُلَيْمَان دَاوُود ابْن سُلَيْمَان بن حوط الله الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ بِمَدِينَة بلنسية وَهُوَ إِذْ ذَاك يتَوَلَّى
قضاءها قَالَ أنشدنا الشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن سراج بن عبد الله العثماني مَرَّات للفقيه القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن عَطِيَّة وَذكر الْبَيْتَيْنِ إِلَّا أَن صدر أَولهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة يهددني بِالرُّمْحِ ظَبْي مهفهف وَصدر ثَانِيهمَا فَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لَا تقيته وباقيهما سَوَاء وَلمن كَانَ مِنْهُمَا ذَلِك فقد عدل بِهِ عَن جادة الإجادة وَالزِّيَادَة
وَمن لزومياتهم السّنيَّة فِي غزلياتهم السُّلْطَانِيَّة
بَدَت لَك فِي ثوب يشف منجمأزيرق يالله لِلْحسنِ أزرقا
ولاحت وَبدر الْأُفق فِي الْأُفق كَامِلفَلم أدر أَي راعني حِين أشرق
خلا أَنه لما رأى حسن وَجههَاتأنى قَلِيلا حِين شام فأبرقا
ودونهما صفو الغدير مسلسلاًفأقسم لَوْلَا رقة الْوَصْل أحرقا
وَلما رنا نَحْو السجنجل وَجههَاأطل على متن الغدير فأطرقا
وزرت عَلَيْهِ الشهب ثوب سمائهفقارب فِي التَّشْبِيه منهاا وأغرقا
ونازعها ثوبا ولوناً ورفعةوبعداً وإشراقاً ووجهاً ترقرقا
وَمن رفيع الرصف وبديع الْوَصْف قَوْلهم لاا زَالَ يجاري الأقدار عدلهم ويباري الأمطار طولهم
أعد نظرا حَيْثُ الرياض كَأَنَّهَاخدود الغواني أَو قدود الكواعب
تميل وَلَيْسَت بَين كأس وقينةوَلكنهَا بَين الصِّبَا والجنائب
وسال نمير المَاء بَين أخضرارهافجَاء كَمثل الْفرق بَين الذوائب
وَإِلَّا كَمَا شقّ الكنهور بارقوَإِلَّا كَمثل الصُّبْح بَين الغياهب
قد أطردت فِيهِ المذانب دَائِماوَلم تَرَ حسنا كأطراد المذانب
وللنرجس النَّضر أصفرار تخالهكشمس أصيل بَين بيض السحائب
يدب إِلَيْك الْحسن فِي جنباتهابعقرب أصداغ من الآس لَا سبّ
وللياسمين الغض فِي خضر بسطهانثائر در أَو سبائك ساكب
وللسوسن المبيض إصغاء آلفيحن فيحنو خَاشِعًا نَحْو شَارِب
وَقد كللت أَغْصَان نارنجها فَقلمجامر تبر جامد غير ذائب
وعطر مِنْهَا النشر مَا بَلل الندىفَنمت بِأَنْفَاسِ الرِّيَاح الغرائب
وللماء فِي الدولاب إِن رمت وَصفهسِهَام قسى أَو مخاريق لاعب
تضمن سقى الرَّوْض رفهاً يعلهوَفَاء فعد القَوْل عَن قَوس حَاجِب
معطرة الأردان يفعم نفحهايُحْيِيك عرف الطّيب من كل جَانب
سَمَاء وَجرى المَاء فِيهَا مجرةوَمن زهرها المفتر زهر الْكَوَاكِب
فدونكها تختال زهواً ونضرةوترفل تيهاً فِي برود الْعَجَائِب
وَلَهُم خلد الله سلطانهم فِي طبق مَمْلُوء نثائر زهر النارنج والخابور وَأكْثر هَذَا التَّشْبِيه على البديهة
بعثتها وذكى الْعرف ألحقهابردين من وضح الإصباح والشفق
كَأَنَّمَا الزهر والخابور جزعهشذر تناثر فِي در من الْعُنُق
قد راق منظره حسنا لملتفتورق مخبره عرفا لمنتشق
وَلَهُم ظَاهر الله نعمه لديهم مِمَّا كتبته بَين الكريمتين يديهم
خُذْهَا كَمَا تمّ عرف الرَّوْض بِالسحرِوَأَيْقَظَ الطل رَبًّا نَائِم الزهر
حَمْرَاء ترفل فِي أَثوَاب بهجتهاتفتر عَن لُؤْلُؤ عذب وَعَن أشر
زفقتها ورواق اللَّيْل منسدلكَأَنَّهَا شفق فِي هَالة الْقَمَر
وَمن ألغازهم وَسمعت مِنْهُم ﵃
زقفتها سحرت أعين الجآذر لبّىوأستباحت حمى فُؤَادِي وقلبي
مِنْهَا أشتباهفأنظرن التَّصْحِيف من بعد قلب
وَقد أستوفوا حُرُوف المعجم فِي هَذَا الْبَاب فَأتوا أَيّدهُم الله بِمَا فِيهِ عِبْرَة لأولى الْأَلْبَاب
وَلَهُم فِي الرثاء أدام الله أيامهم كَمَا جعل مَفَاتِيح الأقاليم سيوفهم وأقلامهم
تصبر فَإِن الصَّبْر أولى بِذِي حجروَإِن كَانَ حجرا فالملام إِلَى الْحجر
وَمَا زَالَت الْأَيَّام تَغْدُو على الْفَتىفطوراً على بشر وطورا على بسر
وَإِن سالمت واالظلم مِنْهَا سجيةفَلَا بُد يَوْمًا أَن تغر وَأَن تغرى
مرى الْحزن دمعى أَن أَمر حبالهوَكَانَ قَدِيما لَا يمر وَلَا يمرى
وعهدي بِهَذَا الدمع ياعين وافياًفَهَل لَك فِي الْغدر المبرح من عذر
أَلا من لعين لَا ينهنه غربهاأَلا من لسحر لَا يمل من السحر
أَلا تِلْكَ شمس الجو فِي الدو فَأُعْجِبُواأَلا تلكم إدمانة العفر فِي القفر
أأسلو وَهَذَا شخصها حَشْو مقلتيوأنسى وَمَا تنفك مني على ذكر
لَئِن ضم مِنْك اللَّحْد ذاتاً زكيةلقد حنيت منى الضلوع على جمر
سأبكيك مَا أَنْت فقيدة بكرهاوحنت إِلَى وكر مطوفة النَّحْر
أطارحها شجوى فيسعد شجوهافتحسبنا إلفى مصاب لَدَى وكر
وَمَالِي وَمَا للعيد لَوْلَا تحفليكلفني مَالا أُطِيق من الصَّبْر
فَمن كَانَ ذَا هدى وَهدى لعيدهفعندي هدى من مدامعي الْحمر
يغادونها قربى لنحر ثَلَاثَةودمعي من تسكابه الدَّهْر فِي بَحر
وَعِنْدِي وَلَا رد زفير مرددتهد لظاه جَانب الْبشر
وتصديق إِيمَان وَإِقْرَار موقنوَتَسْلِيم مربوب لذى الْخلق وَالْأَمر
وَمن تصنيف لَهُم فِي الزّهْد جليل هُوَ على أنفرادهم فِي الْكَمَال وسحر الْكَلَام أوضح دَلِيل
يعجل الْإِنْسَان بالشَّيْء وَهلخلق الْإِنْسَان إِلَّا من عجل
ولذى الْعدْل قَضَاء فِي الورىبتقاضاه كتاب وَأجل
إِن ظفر اللَّيْث يدمى من ردىمثل خد الخود يدمى من خجل
وأخو الْغَفْلَة فِي غفلتهإِن بَكت وَرْقَاء غنى وأرتجل
وَإِنَّمَا أورد مِنْهُ الفرائد وأقصد إِلَيْهِ من القصائد وَهَا هِيَ تضيق عَنْهَا المهارق وتضىء مِنْهَا المغارب والمشارق وَإِنَّمَا هَذَا إلماع بِمَا أعوز الْعلمَاء وإسماع لما أسكت الْحُكَمَاء
وَلما ظَفرت من هَذَا الْمَقْصُود الأحمد وسبقت إِلَيْهِ سبق الْجواد إِذا استولى على الأمد قصرته على مُلُوك إفريقية وبلاد الْمغرب المضافة إِلَيْهَا وقدمت
القادمين فِي الْمِائَة الأولى من السّلف الأول عَلَيْهَا لِأَنَّهَا من أَوَائِل فتوح الْإِسْلَام ثمَّ من منَازِل بدر التَّمام مَوْلَانَا الْخَلِيفَة الإِمَام أدام الله لَهُم نصر الألوية والأعلام
(وَفِي الْمِائَة الثَّانِيَة صَارَت الأندلس دَار إِيمَان فواليت ذكر ولاتها من ذَلِك الزَّمَان ليوقف على جلالة شَأْنهمْ وَيعرف تمكن محلهم من البلاغة ومكانهم وَذكرت أَبْنَاءَهُم وأختصرت أنباءهم هربا من التَّطْوِيل ورهباً للتثقيل إِلَّا نكتاً لَهَا بأنتخابها أحسن المواقع وعيوناً هِيَ بأقتضابها أجول فِي المحافل وأولج فِي المسامع وَرُبمَا عرض مَا يَدْعُو إِلَى الْبسط فأنتقض حكم هَذَا الشَّرْط وَلَا غرو أَن أواقع الْمَحْذُور فللكلام اضطرار يُبِيح الْمَحْظُور
وأبرزته مسوقاً على الحقب منسوقا بِحَسب الرتب أعين للصدور صدر كل مائَة وَأبين من تميز فِي جمَاعَة أَو تحيز إِلَى فِئَة ليستوفى المتأدبين حَتَّى من المتوثبين
وَالَّذين مَا عثرت على أشعارهم أفردت بَابا لأخبارهم وَلم أعرض لمن أَعرَضت عَنْهُم الدولة الحفصية بالخلعان وأنتزعت مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم تراثاً لَهَا من الْملك وَالسُّلْطَان ثمَّ
الأسم الَّذِي من خَصَائِصه التَّأْمِين والتأمير وأشبهه النَّضِير والمشرع النمير حَضْرَة مَوْلَانَا الْأَمِير الأسعد الأطهر الأرضى أَبُو يحيى ولي عهد الْمُؤمنِينَ وعهد الولى فِي مُتَتَابِعَات السنين
والملى وَقد مَكَارِم الْآبَاء بإنجاب كرام الْبَنِينَ أجهد فِي الأستظهار على شكر نعْمَته وأجهر آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار بِأَن يكون الْعَمَل خَادِم النِّيَّة فِي خدمته وأقصى المأمول أَن تَأذن لَهُ سيادته فِي الْقرب من سدته وتقابل وفادته بِالْقبُولِ ليسعد مداه بسعادة مدَّته أبقاه الله وَلِوَاؤُهُ مَنْصُور وكرم الْخلال فِيهِ مَحْصُور وَشرف الْكَمَال عَلَيْهِ مَقْصُور والعيون والقلوب إِلَيْهِ ميل وصور يمنه
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع