تجاوز إلى المحتوى

من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

الْمِائَة الثَّانِيَة (٣)

على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأخْبرهُ فَكتب إِبْرَاهِيم إِلَى الرشيد بذلك فولى الشماخ بريد مصر وَأَجَازَهُ وَقد تقدم عِنْد ذكره أَن الَّذِي سمه سُلَيْمَان بن جرير فِي سَمَكَة مشوية وَقَالَ فِي ذَلِك أَشْجَع السلمى من شعراء الرشيد

أتظن يَا إِدْرِيس أَنَّك مفلتكيد الْخَلِيفَة أَو يقيك حذار
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «أتظن يا إدريس أنك مفلت»
إِن السيوف إِذا انتضاها عزمهطَالَتْ وتقصر دونهَا الْأَعْمَار
هَيْهَات إِلَّا أَن تكون ببلدةلَا يَهْتَدِي فِيهَا إِلَيْك نَهَار

وَكَانَت مُدَّة سُلْطَان إِدْرِيس بالمغرب إِلَى أَن مَاتَ بوليلى سنة خمس وَقيل سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة ثَلَاثَة أَعْوَام وَسِتَّة أشهر

وَكَانَ قد خرج إِلَى سبتة فِي شَيبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وَإِلَى تازا فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسبعين وَترك حملا من إِحْدَى جواريه فَقَامَ رَاشد بِأَمْر البربر حَتَّى ولدت غلاماا فَسَماهُ باسم أَبِيه إِدْرِيس وكفله إِلَى أَن بلغ الْغُلَام

وَعلا أَمر رَاشد وأستفحل وهم بغزو إفريقية لما كَانَ فِيهِ من الْقُوَّة وَكَثْرَة الْجنُود فكاده إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب من الزاب مَوضِع ولَايَته ودس إِلَى أَصْحَابه وبذل لَهُم الْأَمْوَال إِلَى أَن أغتالوه وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ فَبعث بِهِ إِلَى ابْن مقَاتل العكى وَأخْبرهُ بكيده إِيَّاه وتدبيره فِي قَتله فَبعث بِهِ العكى إِلَى هَارُون الرشيد وَنسب ذَلِك إِلَى نَفسه دون إِبْرَاهِيم فَكتب صَاحب بريد الْمغرب إِلَى هَارُون بصنيع إِبْرَاهِيم فِي رَاشد فعلى إِثْر ذَلِك ولي الرشيد إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إفريقية وَصرف عَنْهَا العكى

وَقد قيل إِن الرشيد إِنَّمَا دس إِلَى إِدْرِيس من أغتاله وخاطب إِبْرَاهِيم بِهِ وَهُوَ عَامل لَهُ على إفريقية وَالْأول أصح وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم

فِي شَوَّال لثمان لَيَال بَقينَ مِنْهُ سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة فَكَانَت ولَايَته اثنتى عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام

يحيى بن الْفضل بن النُّعْمَان التَّمِيمِي أَبُو الْعَبَّاس

كَانَ صَاحب بريد الْمغرب أَيَّام ابْن العكى وَهُوَ الْقَائِل لتَمام بن تَمِيم حِين بلغه إقبال إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَيْهِ

أتمام لَا تقعد فَإِنِّي نَاصحوَخذ مهلة إِن كنت لَا بُد هَارِبا
وَإِلَّا فعذ من سخطه بأمانهفلست بلاق لِابْنِ أغلب غَالِبا
وَلَا تُحِسُّونَ كأساً فَلَيْسَ بِنَافِعتحسيك مَا فِيهَا إِذا كنت شارباً

خريش بن عبد الرَّحْمَن بن خريش الْكِنْدِيّ

ثار بتونس وَكَانَ صهر الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ الْمُخَالف على الْأَغْلَب ابْن سَالم وَلم يكن من الْجند وَلكنه من أَبنَاء الْعَرَب الَّذين كَانُوا بإفريقية

قبل المسودة فَخلع المسودة وَأَتَاهُ الْعَرَب والبربر من كل نَاحيَة فَلَمَّا كثر جمعه كتب إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب

من خريش الْقَائِم بِالْعَدْلِ إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب

أما بعد فَإِنِّي أَقمت عَن الْخُرُوج قبل يومي هَذَا لِأَنِّي كنت أنْتَظر أَن تفنيكم الْحَرْب فلعمري لقد أرانا الله فِيكُم مَا قوى بِهِ أهل دَعْوَة الْحق عَلَيْكُم فَلَمَّا وليت أَنْت وَعلمت أَنهم مقسومون بَين خوف مِنْك ورجاء لَك عرفت قلَّة طمعهم فِيك وَلَو كَانَ أحد مِمَّن ولي هَذَا الثغر مِمَّن لَا نرى طَاعَته يسْتَحق أَن نرضى بولايته لَكُنْت أَنْت ذَلِك وَقد كَانَ عَليّ بن أبي طَالب رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَقُول إِذا ولى عَنْكُم عَدوكُمْ من أهل الْملَّة فَلَا تتبعوهم وَلست أطلبك إِن خرجت عَن الثغر فَلَا ترد أَن تصلى بحربي وَليكن رَأْيك طلب سلمى وَالسَّلَام

وَكتب فِي آخر كِتَابه

قل جهرة لأبي إِسْحَاق تنصحههَذَا فراقكم للغرب قد حانا
فَلَا يعود إِلَيْهِ مِنْكُم أحدحَتَّى يعود من الإجداث مَوتَانا
فأرجع عَن الغرب أَو ألق السوَاد بِهِلَا تخترمك المنايا حِين تلقانا
وسوف تعلم أَن الْمَوْت يسمع ليإِذا ألتقت بنواحي الفحص خيلانا

فَلَمَّا قَرَأَ إِبْرَاهِيم كِتَابه كتب إِلَيْهِ

من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إِلَى خريش رَأس الضلال

سَلام على من أتبع الْهدى أما بعد

(فَإِن مثلك مثل الْبَعُوضَة الَّتِي قَالَت للنخلة إِذْ سَقَطت عَلَيْهَا أستمسكي فَإِنِّي أُرِيد الطيران فَقَالَت النَّخْلَة مَا شَعرت بسقوطك فيكربني طيرانك فَأَما انتظارك فِي الْحَرْب فنَاء فَلَو لم يبْق فِي الْمغرب من أهل الطَّاعَة غَيْرِي مَا وصلت أَنْت فِي من مَعَك بخلافكم إِلَيْهِ ولرجوت أَن أظفر بكم بطاعتي وَنَصره دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ فَكيف وَعِنْدِي من شيعته وَأَبْنَاء أنصاره من يعلم الله أَنِّي أرجوه أَن ينْتَقم مِنْك على يَدي وَأما مَا ذكرت عَن عَليّ ابْن أبي طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ فَذَاك أَمر غَابَ عَنْك وَإِن كَانَ كَمَا ذكرت فلست مِنْهُم لِأَن أهل الْملَّة خلافهم خلاف هدى فِي نقمة على جور وخلافكم خلاف فرقة دين وشق غصا الْمُسلمين ونقمتهم مَا هُوَ لله رضَا وستعلم أَنْت وَأَصْحَابك إِن لقيناكم غَدا أَنا سنتبعكم وَإِن صَبَرْتُمْ أَنا سنفنيكم

وَأما ذكرك الفحص فَإِن تركتك حَتَّى تصير إِلَيْهِ فَأَنا فِي مثل جِلْدك وَكتب إِلَيْهِ

بلغ خريشا بِأَنِّي سَوف أصيحهكأساً سيقرع مِنْهَا سنّ حيرانا
تهدى الطعان لَهُ سمر مثقفةتفرى أسنتها فِي الْحَرْب أعدانا
من كل أَزْرَق يغتال النُّفُوس بِهِيضحى بِهِ من دم الأجواف ملآنا
وسوف تعلم هَل ألقِي السوَاد إِذاأرست إِلَيْك المنايا حِين تلقانا
إِنِّي سأهدي إِلَيْك الْمَوْت فِي عطبفأشرب منيته من كف عمرانا

ثمَّ بعث إِلَى عمرَان بن مجَالد يحضه على قِتَاله ولقائه قبل خُرُوجه من تونس وأوصاه بِمَا يعْمل فَلَقِيَهُ عمرَان بسبخة تونس فأنكشف خريش وَأَصْحَابه وَقتل وَدخل عمرَان تونس يتتبعهم ويقتلهم حَتَّى أفناهم وَكَانَ خُرُوجه سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة

عمرَان بن مجَالد بن يزِيد الربعِي

ثار على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ قبل ذَلِك فِي طَاعَته ومناصحته وَحضر مَعَه قتال تَمام بن تَمِيم وَخرج نَائِبا عَنهُ لقِتَال خريش بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور آنِفا وَلما قوى أمره أَتَى بعسكره حَتَّى نزل بَين القيروان وَبَين قصر إِبْرَاهِيم

وَصَارَت القيروان فِي يَده وَبعث إِلَى أَسد بن الْفُرَات ليخرج مَعَه فَأبى أَسد وتمارض فَبعث إِلَيْهِ إِمَّا أَن تخرج وَإِلَّا بعثت من يجر برجلك فَقَالَ أَسد وَالله لَئِن أخرجتني لأنادين فِي النَّاس الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار فَتَركه عِنْد ذَلِك

وَخَنْدَق إِبْرَاهِيم حول مدينته ودامت الْحَرْب بَينهمَا سنة ثمَّ ضعف عمرَان فهرب إِلَى نَاحيَة الزاب وَسَأَلَ الْأمان هُوَ وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة وعامر ابْن المعمر من إِبْرَاهِيم فأجابهم إِلَى ذَلِك

وَبَقِي عمرَان بالزاب إِلَى وَفَاة إِبْرَاهِيم ومصير الْأَمر إِلَى ابْنه أبي الْعَبَّاس عبد الله فَكتب إِلَيْهِ عمرَان يسْأَله تَجْدِيد الْأمان فَأَمنهُ وَأَسْكَنَهُ الْقصر مَعَه وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيروح إِلَى أَن سعى بِهِ وَقيل لعبد الله هَذَا ثار على أَبِيك وحاله حَاله فَبعث إِلَيْهِ فِي الظهيرة فَلم يشك فِي الشَّرّ وَكَانَ عبد الله قد قَالَ لمولى لَهُ إِذا ورد على وَهُوَ مشتغل بِالنّظرِ فَلَا يشْعر إِلَّا وَقد رميت بِرَأْسِهِ فَكَانَ ذَلِك على مَا حَده وَكَانَ يحيى بن سَلام الْفَقِيه صَاحب التَّفْسِير قد سفر بَينهمَا فِي الْأمان على مَاله وَنَفسه وَولده فَلَمَّا قَتله وجد لذَلِك وَقَالَ لَا أسكن بَلَدا أَخْفَر فِيهِ الْعَهْد على يَدي فَخرج إِلَى مصر ثمَّ مضى إِلَى مَكَّة فحج وَرجع فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أعتل وَمَات وَدفن بِمصْر سنة مِائَتَيْنِ وَمن شعر عمرَان فِي حَرْب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ تَمام بن تَمِيم وَقد برز من الصَّفّ

يَا رسل الْمَوْت أَنا عمرَانأَنا الَّذِي أَنْتُم لَهُ أعوان
تصعق من خيفتي الفرسانيضْحك عَن أيامنا الزَّمَان
نَحن ضربنا النَّاس حَتَّى دانوانقْتل أهل النكث حَيْثُ كَانُوا

فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَصْحَاب تَمام وَهُوَ يَقُول

أرجع على ظلعك يَا عمرَانقد جَاءَك الْمَوْت لَهُ تهتان
يسقيكه من راحتي سِنَانوَالظَّن يجلو شكه العيان

فَشد عَلَيْهِ عمرَان فطعنه فِي ثندؤته فَبَدَا عَامل الرمْح من خَلفه

عَامر بن المعمر بن سِنَان التَّيْمِيّ تيم الربَاب

كَانَ على شرطة إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب ثمَّ ثار عَلَيْهِ مَعَ عمرَان بن مجَالد وَعَمْرو بن مُعَاوِيَة والرئاسة مِنْهُم فِي تِلْكَ الثورة لعمران إِلَى أَن أستأمنوا جَمِيعًا إِلَى إِبْرَاهِيم فَأَمنَهُمْ وَكَانَ عَامر على قسطيلية والياً وَهُوَ الْقَائِل فِيمَا وَقع بَين مُحَمَّد بن مقَاتل وَتَمام بن تَمِيم من الْحَرْب وَقيام إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب بنصرته

إِذا كربَة شدت خناق مُحَمَّدفَلَيْسَ لَهَا إِلَّا ابْن أغلب فارج
أَتَاهُ بِتمَام على بأسه بِهِيُقَاد وَقد ضَاقَتْ عَلَيْهِ المخارج
وَقد كَانَ بالإسراف ألقِي سوَادهوَلم تختلجه فِي الْخلاف الخوالج
فعاجله بالكيد حَتَّى استفادهوأدركه من بعد مَا قيل خَارج
وَلَو أَنه يستودع الشَّمْس نَفسهإِذا ولجت مِنْهُ عَلَيْهِ الولائج

وَله فِي خُرُوج خريش بن عبد الرَّحْمَن بتونس

لَوْلَا دفاعك يَا ابْن أغلب أَصبَحتأَرض الْغُرُوب رهينة لفساد
ولعمنا ذَاك الْخلاف بفتنةتعدو كتائبها بِغَيْر سَواد
قَالُوا غَدَاة لقائهم لَا ننثنىحَتَّى نحل الْخلد من بَغْدَاد
فمنوا بأشوس مَا تزَال جيادهتَشْكُو الْوَحْي من غَارة وطراد
فخرت بِهِ سعد فَأصْبح بَيتهَافَوق الفراقد ثَابت الْأَوْتَاد

وَمن ولد عَامر هَذَا حَمْزَة بن أَحْمد بن عَامر بن المعمر كَانَ أديبا ظريفاً

وَأما أَبوهُ المعمر بن سِنَان فَقدم مَعَ يزِيد بن حَاتِم المهلبي فِي ولَايَته إفريقية وَكَانَ زميله فِي طَرِيقه إِذا ركب فِي عماربته لأنسه بِهِ وأستماعه من حَدِيثه وَكَانَ أعلم النَّاس بأيام الْعَرَب وأخبارها ووقائعها وَأَشْعَارهَا وَعنهُ أَخذ أهل إفريقية حَرْب غطفان وَغَيرهَا من وقائع الْعَرَب

حَمْزَة بن السبال الْمَعْرُوف بالحرون

أحد رُؤَسَاء القواد وشجعان الأجناد وَكَانَ لَهُ من إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب آثر مَكَان وألطف مَحل لقدم صحبته إِيَّاه وتصرفه مَعَه حَيْثُ تصرفت حَاله فَكَانَ لَا يدانيه عِنْده أَخ وَلَا ولد وَلَا أحد من عشيرته وَكَانَ والياً على طبنة

وَوَجهه إِلَى الرشيد فِي القواد المتوثبين على الْوُلَاة بالقيروان وَلَده ولد إِبْرَاهِيم يتولون لَهُم إِلَى قيادة إِلَى عمالة حَتَّى أنفرضت دولة بني الْأَغْلَب وَمن شعره فِي إِيقَاعه بالمذكورين فِيهِ

سَائل بأبرانس عَنَّا ووقعتنالما صببنا القنا نَحْو ابْن مرداس
ولي وخلى سعيداً رهن نَافِذَةمن طعن أروع للأرواح خلاس
فَإِن يتوبوا فقد ذاقوا وقائعناوَإِن يعودوا نعد أُخْرَى من الراس

وَله فِي حَرْب خريش الْخَارِج على ابْن الْأَغْلَب

إِن غَابَ إِبْرَاهِيم عَنَّا أَو حضرفإنني أنصره فِيمَن نصر
وَالله لَا أرجع إِلَّا بظفرلَيْسَ يَمُوت الْمَرْء إِلَّا بِقدر

(وكل من خَالَفنَا فقد كفر ...)

فَجعل مَا يشد على نَاحيَة إِلَّا هدها وبرز فَارس من عَسْكَر تَمام بن تَمِيم فِي خِلَافه وَهُوَ يَقُول

إِن ظَفرت كفي بإبراهيمهددت رَأس الْعِزّ من تَمِيم

فَلَمَّا سَمعه إِبْرَاهِيم نَادَى حَمْزَة يَا حَمْزَة أخرج إِلَى هَذَا الْكَلْب فَخرج إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول

أَحْلف بالركن وبالحطيممَا فِيكُم كفو لإِبْرَاهِيم

(ليصبحن الْيَوْم كالصريم ...)

ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فَقتله

إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشيعي

من أَبنَاء أهل خُرَاسَان ووجوه أَصْحَاب إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب وَكَانَ أقرب النَّاس إِلَيْهِ فِي الداعية أهل خُرَاسَان ثمَّ أهل الشَّام ثمَّ أهل الْبَلَد وأنفذه رَسُولا إِلَى الرشيد وَبعث صحبته برسل بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث من قدومهم بَغْدَاد وأستأذن الشيعي هَذَا فِي الْكَلَام بعد أَن قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُول سَيْفك دولتك إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب فَأذن لَهُ على إِثْر هَذَا فَخَطب وَكَانَ

بليغاً مدْركا وَهُوَ الْقَائِل فِي مجْلِس ابْن الْأَغْلَب بالقيروان وبدار الْإِمَارَة مِنْهَا عِنْد قدومه لمحاربة تَمام بن تَمِيم بعد محاورة حَسَنَة

لَوْلَا ابْن الْأَغْلَب أضحى الغرب لَيْسَ بِهِعدل وَلَا لبنى الْعَبَّاس سُلْطَان
عَم الْخلاف قُلُوب الْقَوْم فأبتدعواإِلَّا خَصَائِص أدتها خُرَاسَان
جلا ابْن أغلب عَنَّا كل مظْلمَةفِيمَا الْمُطِيع بسكر الْخَوْف حيران
كَادَت شياطين تَمام تردن بِنَابَحر الضَّلَالَة والتمام شَيْطَان

عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْقَيْسِي

هُوَ من ولد عُمَيْر بن الْحباب السلمى أحد فرسَان قيس وساداتها الْأَرْبَعَة فِي الْإِسْلَام وهم عبد الله بن حَازِم والجحاف بن حَكِيم وَعُمَيْر بن الْحباب الْمَذْكُور وَزفر بن الْحَرْث وَكَانَ عَمْرو بن مُعَاوِيَة يتَوَلَّى نَاحيَة القصرين من إفريقية وَخرج على إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب مَعَ عمرَان بن مجَالد وَكَانَ وزيره الْغَالِب عَلَيْهِ فِي أُمُوره ثمَّ خرج ثَانِيَة على وَلَده زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ قد ولاه القصرين وَمَا إِلَيْهِمَا فتغلب على تِلْكَ النَّاحِيَة وَأظْهر الْخلاف فَلَمَّا ظفر بِهِ زِيَادَة الله قَتله وولديه الْحباب وسكتان ودعا أهل بَيته فَشرب مَعَهم ورؤوسهم بَين يَدَيْهِ فَغَضب لَهُم مَنْصُور بن نصر الْجُشَمِي الْمَعْرُوف بالطنبذي وَكَانَ عَاملا على طرابلس وَتَابعه الْجند فأضطربت إفريقية

على زِيَادَة الله وَحصر فِي قصره وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا السَّاحِل وَقَابِس إِلَى أَن قتل مَنْصُور وأستأنس إِلَى زِيَادَة الله وصفت لَهُ إفريقية وأستقامت بعد حروب طَوِيلَة وخطوب جليلة

وَمن شعر عَمْرو بن مُعَاوِيَة مَا حكى أَن بعض أَصْحَاب تَمام بن تَمِيم يَوْم التقى هُوَ وَإِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد خُرُوج تَمام على ابْن العكى برز من الصَّفّ وَهُوَ يَقُول

الْيَوْم نسقيكم سوى المدامبالبيض يهوى حَدهَا بالهام

(حَتَّى تخلوا الغرب للتمام ...)

وبرز إِلَيْهِ عَمْرو وَهُوَ يَقُول

من مبلغ قولي إِلَى التَّمامحلفا بِرَبّ الْحل وَالْحرَام
إِنَّك مَحْمُول على الصمصاموَقد تلاقت حلق الحزام

ثمَّ شدّ عَلَيْهِ فأرداه عَن فرسه

بهْلُول بن عبد الْوَاحِد المدغري

كَانَ رَئِيسا فِي قومه وَهُوَ قَامَ بِأَمْر إِدْرِيس بن إِدْرِيس الْحسنى صَاحب الْمغرب ثمَّ تغير عَلَيْهِ وفارقه وَرجع إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عِنْد ظُهُوره على إفريقية وَذَلِكَ بتلطف إِبْرَاهِيم فِي إِفْسَاد مَا بَينه وَبَين إِدْرِيس فجرت بَينهمَا مكاتبات كَانَ فِي بَعْضهَا مِمَّا كتبه البهلول إِلَى إِبْرَاهِيم

لَئِن كنت تَدعُونِي إِلَى الْحق ناصحاًلتكشف عَن قلبِي ضمير خلاف
لقدماً أَتَانَا عَنْك أَنَّك نَاصحلمن قَالَ بِالصُّلْحِ الْخلَافَة كَاف
وَأَنَّك مَحْمُود النقائب عِنْدهمتزين مَا تَأتي لَهُم بعفاف
فَعجل على رد رَأْيِي فإننيأرد الْهوى للحق حِين يوافي

فجاوبه إِبْرَاهِيم بقوله

عرضت على البهلول مَا إِن أَصَابَهُتعوض مِنْهُ طَاعَة بِخِلَاف
ليركب نهج الْحق وَالْحق وَاضحونهج الْعَمى وعر المسالك عاف
فَلَا تتركن رشد الْهدى لضلالةكمستبدل رنق الشَّرَاب بطاف
وَبَايع لهارون الإِمَام بِطَاعَةتَجدهُ على الْإِسْلَام خير مكاف

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحلة السيراء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.