من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
شعره
الصفحة ٢ من ٢
وسجية كلف بها إكمال الفضاح وحرصا على الذكر الجميل وما يتنافس فيه إلاّ من سمت هممه وكومت ذممه وألفت الخلد زممه إذ الوجود سراب وما فوق التراب تراب ولا يبقى إلاّ عمل راق أو ذكر بالجميل يسكر في أوراق حسبما قلت من قصيدة كتبتها على ظهر مكتوب وضوع أشار به من كانت له طاعة فوفت بمقترحه استطاعه:
يمضي الزمان فكل فإنَّ ذاهبإلاّ جميل الذكر فهو الباقي
لم يبق من إيوان كسرى بعد ذاكَ الحفل إلاّ الذكر في الأوراق
هل كان للسفاح والمنصور والمهدي من ذكر الإطلاق
أو للرشيد وللأمين وصونهلولاه شباه يراعة الوراق
رجع التراب إلى التراب بما اقتضتفي كل خلق حكمة الخلاق
إلاّ الثناء الخالد العطر الشذايهدي حديث مكارم الأخلاق
والرغبة من مقامكم الرفيع الجناب أن يمكنها من حسن المثاب فتحظى بحلول ساحته ثم بلئم راحته ثم بالإصغاء ولا مزيد للابتغاء إلى أن ترتفع الوساطة وتغنى عن التركيب البساطة وينسى الأثر بالعين ويحسن الدهر قضاء الدين ونسأل الذي أغرى بها القريحة ولم يجعل الباعث إلاّ المحبة الصريحة أن يبقي تلك المثابة زينا للزمان وذخرا مكنوفا باليمين والأمان مظللا برحمة الرحمن بفضله وكرمه ". انتهى.
ومن مقطوعاته أي أبن الخطيب البديعة في مخاطبة هذا السلطان أبي حمو صاحب تلمستان قوله يشكره على ما كان أعان به أهل الأندلس:
لقد زار الجزيرة منك بحريمد فليس تعرف منه جزرا
أعدت لها بعهدك عهد موسىسميك فهي تتلو منه ذكرا
أقمت جدارها وأفدت كنزاولو شئت اتخذت عليه أجرا
وقوله:
وقالوا الجزيرة قد صوحتفقلت غمام الندى تنتظر
إذا وكفت كف موسى بهاغمام يعود الجناب الخضر
ومخاطبات الوزير أبن الخطيب للسلطان أبي حمو كثيرة جدا ولنقتصر منها على ما ذكرناه.
ومن نظم أبن الخطيب ﵀:
يا إمام الهدى وأي إمامأوضح الحق بعد إخفاء رسمة
أنت عبد الحكيم حلمك نرجوفالمسمى له نصيب من اسمه
وله يخاطب عبد الواحد بن زكريا بن أحمد الليحاني أبا مالك أبن سلطان إفريقيا مودعا:
أبا مالك أنت نجل الملوكغيوث الندى وليوث النزال
ومثلك يرتاح للمكرماتوما لك بين الورى من مثال
عزيز بأنفسنا أن نرىركابك مؤذنة بارتحال
وقد هبرت منك خلقا كريماأناف على درجات الكمال
وفازت لديك بساعات أنسكما زار في الليل طيف الخيال
ولولا تعللنا أننانزورك فوق بساط الجلال
ونبلغ فيك الذي نبتغيوذاك على الله سهل المنال
لمّا فترت أنفس من أسىولا برحت أدمع في انهمال
تلقتك حيث احتللت العودوكان لك الله في كل حال
وتوفي أبو مالك المخاطب بهذا ببلد الجريد سنة خمس وسبع مائة.
وأبدع ما وقع لابن الخطيب لاميته التي أولها: الحق يعلو والأباطل تسفل قال أبن حجة في شرح بديعته الذي سماه بتقديم أبي بكر ما نصه: " ومما يشعر بالتهنئة والنصر على الأعداء براعة الاستهلال للعلامة أمام المغرب ذي الوزارتين لسان الدين أبن الخطيب وهي:
الحق يعلو والأباطل تسفلوالله على أحكامه لا يسأل
فانه قال: نظمت للسلطان أسعده الله تعالى وأنا بمدينة سلا لمّا انفصل طالبا حقه بالأندلس قصيدة كان صنع الله براعة استهلالها ووجهت بها إليه إلى رندة قبل الفتح ثم لمّا قدمت أنشدتها بين يديه بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها: " المنح الغريب في فتح القريب " منها قوله ﵀:
وإذا استحالت حالة وتبدلتفالله ﷿ لا يتبدل
واليسر بعد العسر موعود بهوالصبر القريب موكل
والمستعد لمّا يؤمل ظافروكفاك شاهدا قيدوا وتوكلوا
أمحمد والحمد منك سجيةبحليها دون الورى تتجمل
أما سعودك فهو دون منازعقد بأحكام القضاء مسجل
ولك السجايا الغر واليم التيبغريبها يتمثل المتمقل
ولك الوقار إذا تزلزلت الرباوهفت من الروع الهضاب المثل
عوذ كمالك ما استطعت فانهقد تنقص الأشياء مما تكمل
تاب الزمان إليك مما قد جنىوالله يأمر بالمتاب ويقبل
إنَّ كان ماض من زمانك قد مضىبإساءة قد سرك المستقبل
هذا بذاك فلشفع الثاني الذيأرضاك فيما قد جناه الأول
والله قد ولاك أمر عبادهلمّا ارتضاك ولاية لا تعزل
وإذا تغمدك الإله بنصرهوقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل
وظعنت عن أوطان ملكك راكبامتن العباد فأي صبر يجمل
والبحر قد حنيت عليك ضوعهوالريح تقطع للزفير وترسل
ولك الجواري المنشآت قد أغتدتتختال في برد الشباب وترفل
جوفاء يحملها ومن حملت بهمن يعلم الأنثى وماذا تحمل
صبحتهم غرر الجياد كأنماسد الثنية عارض متهلل
من كل منجرد أغر مجليرمي الجياد به أغر محجل
زجل الجناح إذا أجد لغارةوإذا تغنى للصهيل فبلبل
جيد كما التفت الظلم فوقهأذن ممشقة وطرف أكحل
ومنها:
وخليج هند راق حسن صفائهحتى يكاد يعوم فيه الصقيل
غرقت بصفحته المنال وأوشكتتبغي النجاة فأوثقتها الأرجل
فالصرح منه ممرد والصفح منهُ مورد والشط منه مصندل
وبكل أزرق إن شكت ألحاظهمره العيون فبالعجاجة يكحل
متأود أعطافه في نشوةمما يعل من الدماء وينهل
عجبا له أن النجيع بطرفهرمد ولا يخفى عليه مقتل
لله موقفك الذي وثباتهوثباته مثل به يتمثل
والنصل خط ومجال صحيفةوالسمر تنقط والصوارم تشكل
والبيض قد كسرت حروف جفونهاوعوامل الأسل المثقف تعمل
وهي طويلة وجميعها فرائد ولم أكثر منها لعلمي أن كلام لسان الدين أبن الخطيب غريب في هذه البلاد ". انتهى كلام أبن حجة ﵀.
ومن هذه بعد قوله " وطرف أكحل ":
فكأنما هو صورة في هيكلمن لطفه وكأنما هو هيكل
ومنها بعد قوله: " والبيض قد كسرت " البيت قوله:
لله قومك عند مشتجر القناإذ ثوب الداعي المهيب وأقبلوا
قوم إذا لفج الهجير وجوههمحجبوا برايات الجهاد وظللوا
ومن مقطوعات أبن الخطيب قوله لمّا أشرف على مراكش:
ماذا أحدث عن بحر سبحت بهمن البحار فلا إثم ولا حرج
دحاه مبتدع الأشياء مستوياما إن به درك كلا ولا درج
حتى ما للمنار الفرد لاح لناصحت بشرى يا مطايا جاءك الفرج
قربت من عامر دارا ومنزلةوالشاهد العدل هذا الطبيب والأرج
وقال ﵀:
كأنا بتامسنا نجوس خلالهاوممدودها في سيرنا ليس يقصر
مراكب في البحر المحيط تخبطتولا جهة تدري والبر يبصر
قال أبن الخطيب: ولمّا قضى الله ﷿ بالإدالة ورجعنا إلى أوطاننا من العدوة واشتهر عني ما اشتهر من الانقباض عن الخدمة والتيه على السلطان والدالة والتكبر على أعلى رتب الخدمة وتطارحت على السلطان في استنجاز وعد الرحلة ورغبت في تبرءة الذمة ونفرت عن الأندلس بالجملة خاطبني يعني أبا جعفر بن خاتمة بعد صدر بلغ من حسن الإشارة وبراعة الاستهلال الغاية بقوله:
" وإلى هذا سيدي ومحل تعظيمي وإجلالي، أمتع الله تعالى بطول بقائكم، وضاعف في العز درجات ارتقائكم، فانه من الأمر الذي لم يغب عن رأى العقول، ولا أختلف فيه أرباب العقول؛ أنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها؛ ووساطة سلكها، وطراز ملكها؛ وقلادة نحرها، وفريدة درها، وعقد جيدها المنصوص، وكمال زينها على العموم والمخصوص؛ ثم انتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها؛ وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطيب مارستانها، والذي عليه إدارتها، وبه قوام إمارتها؛ فلديه يحل المشاكل، وإليه يلتجأ في الأمر المعضل، فلا غر وأنَّ تقيد بكم الأسماع والأبصار، وتحدق نحوكم الأذهان والأفكار؛ ويزجر عنكم السانح والبارح؛ ويستنبأ ما تطرف عنه العين وتخلج الجوارح؛ واستقراء لمرامكم، واستطلاع لطالع أعتزامكم، واستكشاف عن مرامي سهامكم؛ لا سيما مع إقامتكم على جناح خفوق، وظهوركم في ملتمع بروق، واضطراب الظنون فيكم مع الغروب والشروق؛ حتى تستقر بكم الديار، ويلقى التسيار، ولها العذر في ذلك إذ صدعها بفراقكم لم يندمل، وسرورها بلقائكم لم يكتمل؛ فلم يبر بعد جناحها المهيض، ولا جم ماؤها المغيض، ولا تميزت من داجيها لياليها البيض؛ ولا استوى نهارها، ولا تألقت أنوارها؛ ولا اشتملت نعماؤه؛ ونسيت غماؤها؛ بل هي كالناقة، والحديث العهد بالمكاره، تستشعر نفس العافية، وتتمسح منكم باليد الشافيه؛ فبحناكم عليها، وعظيم
حرمتكم على من لديها؛ لا تشوبوا لها عذب المجاج بالأجاج، وتفطموها عما عودت من طيب المزاج؛ فما لدائها وحياة قربكم غير طبكم من علاج؛ وإني ليخطر بخاطري محبة فيكم وعناية بما يعنيكم ما نال جانبكم صانه الله بهذا الوطن من الجفاء، ثم أذكر ما نالكم من حسن العهد وكرم الوفاء؛ وأنَّ الوطن إحدى الحواضن الأظآر، التي يحق لها جميل الاحتفاء، وما يتعلق بكم من حرمة أولياء القرابة وأوداء الصفاء؛ فيغلب على ظني أنكم لحسن العهد أنجح، وبحق نفسكم عن حق أوليائكم أسمح، والتي هي أعظم قيمة من فضائلكم أوهب وأسجح. وهب أنَّ الدر لا يحتاج في الإثبات، إلى شهادة النحور والبات؛ والياقوت غنى المكان، عن مظاهرة القلادة والتيجان، أليس أنّه أعلى للعيان، وابعد عن مكابرة البرهان، تألقها في تاج الملك انوشروان؛ فالشمس وإنَّ كانت أم الأنوار، وجلاء الأبصار، مهما أغمى مكنها من الأفق قيل: أليل هو أم نهار؛ وكما في علمكم ما فارق ذوو الأرحام، وأولو الأحلام؛ موطن استقرارهم، وأماكن قرارهم، إلاّ برغمهم واضطرارهم، واستبدال دار خير من دارهم؛ ومتى توازن الأندلس بالمغرب، أو يعوض عنها إلاّ بمكة أو يثرب؟ ما تحت أديمها أشلاء أولياء وعباد، وما فوقه مرابط جهاد، ومعاقد ألوية في سبيل الله ومضارب أوتاد؛ ثم يبوى ولده مبوأ أجداده، ويجمع له بين طارفه وتلاده، أعيذ أنظاركم المسددة من رأى فائل، وسعى طويل لم يحل منه بطائل، فحسبكم من هـ الإياب السعيد، والعود الحميد " وهي طويلة. قال ابن الخطيب: فأجبته بقولي:
لم في الهوى العذري أو لا تلمفالعذل لا يدخل أسماعي
شأنك تعنيفي وشأني الهوىكل الهوى في شأنه ساعي
أهلا بتحفة القادم، وريحانة المنادم، وذكرى الهوى المتقادم؛ لا يصفر الله مسراك، بما أسراك؛ لقد جبت إلى من همومي ليلا، وجست رجلاً وخيلا، ووفيت من صاع الوفاء كيلاً، وظننت بي الأسف على ما فات فأعلمت الالتفات لكيلا؛ فأقسم لو أنَّ أمري اليوم بيدي، أو كانت اللمة السوداء من عددي؛ ما أفلت شراكي المنصوبة لأمثالك، وحول المياه وبين المسالك، ولا علمت ما هنالك؛ لكنك طرقت حمى كسعته الغارة الشعواء، وغيرت ربعة الأنواء؛ فحمد بعد ارتجتجه، وسكت أذين دجاجه، وتلاعبت الرياح الهوج فوق فجاجه، وطال عهده بالزمان الأول، وهل عند رسم دارس من معول؛ وحيا اندبا الى زيارتي ندبك، وبآدابه الحكيمة أدبك:
فكان وقد أفاد بك الأمانيكمن أهدى الشفاء إلى العليل
وهي شيمة بوركت من شيمة، وهب الله من لدن المشيمة، ومن مثله في صلة رعى، وفضل سعى، وقول ووغى؟
قسما بالكواكب الزهروالزهر عاتمه
إنّما الفضل ملةختمت بابن خاتمة
كساني حيلة فضلة وقد ذهب زمان التجمل، وحملني شكره وكتدمي واه عن التحمل، ونظرني بالعين الكليلة عن العيب فلا أجاد التأمل، واستطلع طلع بثي، ووالي من مبرك المعجزة حتى، إنّما أشكو بثي:
ولو ترك القطا ليلا لناما
وما حال شمل وتده مفروق، وقاعدته فروق، وصلوع بني أبيه مسروق، وقلب قرحه من عضة الدهر دام، وجمرة حسرته ذات احتدام؛ هذا وقد صارت الصغرى، التي كانت الكبرى؛ لمشيب لم يدع أنَّ هجم لمّا نجم، ثم تهلل عارضة وانسجم:
لا تجمعي هجرا عليَّ وغربةًفالهجر في تلف الغريب سريع
نظرت فإذا الجانب ناب، والنفس فريسة ظفر الناب، والمال أكيلة انتهاب، والعمر رهن ذهاب، واليد صفر من كل انتساب، وسوق المعاد مترامية والله سريع الحساب:
ولو نعطى الخيار لمّا افترقناولكن لا خيار مع الزمان
وهب العمر جديد، وظل الأمن مديد، ورأى الاغتباط بالوطن سديد، فما الحجة لنفسيي إذا مرت بمطارح جفوتها، وملاعب هفوتها؛ ومثاقف قناتها، ومظاهر عزاها ومناتها ولود وزناد الكون غير صلود!
وإذا أمرؤ لدغته أفعى مرةتركته حين يجر حبل يفرق
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع