من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
شدة ضبط المعتضد عسكره
حدّثني عبد الله بن عمر الحارثيّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، قال:
كان المعتضد، في بعض متصيّداته، مجتازا بعسكره، وأنا معه، فصاح ناطور في قراح قثّاء، فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه.
فقال: أخذ بعض الجيش من القثّاء شيئا.
فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة أنفس.
فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثّاء؟
فقال الناطور: نعم.
فقيّدهم في الحال، وأمر بحبسهم. فلما كان من الغد، أنفذهم إلى القراح، فضرب أعناقهم فيه، وسار.
فأنكر الناس ذلك، وتحدّثوا به، ونفرت قلوبهم منه.
ومضت على ذلك مدّة طويلة، فجلست أحادثه ليلة، فقال لي: يا أبا عبد الله هل يعيب الناس عليّ شيئا؟ عرّفني حتى أزيله.
قلت: كلّا، يا أمير المؤمنين.
فقال: أقسمت عليك بحياتي، إلّا ما صدقتني.
قلت: وأنا آمن؟
قال: نعم.
قلت: إسراعك إلى سفك الدماء.
قال: والله، ما هرقت دما منذ وليت هذا الأمر، إلّا بحقّه.
قال: فأمسكت إمساك من يتبيّن عليه الكلام.
فقال: بحياتي ما يقولون؟
قلت: يقولون إنّك قتلت أحمد بن الطيّب، وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة.
قال: دعاني إلى الإلحاد، فقلت له: يا هذا أنا ابن عمّ صاحب الشريعة، وأنا الآن منتصب منصبه، فألحد حتى أكون من؟ وكان قال لي: إن الخلفاء لا تغضب، فإذا غضبت لم ترض، فلم يصحّ إطلاقه.
فسكتّ، سكوت من يريد الكلام.
فقال لي: في وجهك كلام.
فقلت: الناس ينقمون [ ط] عليك أمر الثلاثة أنفس، الذين قتلتهم في قراح القثّاء.
فقال: والله، ما كان أولئك المقتولين هم الذين أخذوا القثّاء، وإنّما كانوا لصوصا حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر أصحاب القثّاء، فأردت أن أهوّل على الجيش، بأنّ من عاث من عسكري، وأفسد
بهذا القدر، كانت هذه عقوبتي له: القتل، ليكفّوا عمّا فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال، وإنّي حبستهم، وأمرت بإخراج اللصوص في غد مغطّين الوجوه، ليقال إنّهم أصحاب القثّاء، ويقتلون بفعل ذلك.
فقلت: كيف تعلم العامّة هذا؟
قال: بإخراجي القوم الذين أخذوا القثّاء، أحياء، وإطلاقي لهم في هذه الساعة.
ثم قال: هاتم القوم، فجاءوا بهم، وقد تغيّرت حالهم من الحبس والضرب.
فقال لهم: ما قصّتكم؟
فاقتصّوا عليه قصّة القثّاء.
فقال لهم: أفتتوبون من مثل هذا الفعل، حتى أطلقكم؟
فقالوا: نعم.
فأخذ عليهم التوبة، وخلع عليهم، ووصلهم، وأمر بإطلاقهم، وردّ أرزاقهم عليهم.
فانتشرت الحكاية، وزالت عنه التّهمة.
النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع