تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

بين المعتضد ونديمه ووزيره

حدثني أبي، عن أبي محمد، عبد الله بن حمدون، قال:

قال لي المعتضد، يوما، وقد قدّم إليه عشاء على النبيذ: لقّمني.

قال: وكان الذي قدّم إليه فراريج، ودرّاريج، فلقّمته من صدر فرّوج.

فقال: لا، لقّمني من فخذه. فلقّمته لقما.

ثم قال: هات من الدرّاج، فلقّمته من أفخاذها.

فقال: ويلك، هوذا تتنادر عليّ؟ هات من صدورها.

فقلت: يا مولاي، ركبت القياس، فضحك.

فقلت له: إلى كم أضحكك، ولا تضحكني؟

قال: شل المطرح، وخذ ما تحته.

قال: فشلته، فإذا بدينار واحد.

فقلت: آخذ هذا؟

فقال: نعم.

فقلت له: بالله، هوذا تتنادر أنت الساعة عليّ؟ خليفة يجيز نديمه بدينار واحد؟

فقال: ويلك، لا أجد لك في بيت المال حقّا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئا، ولكن هوذا، أحتال لك بحيلة، تأخذ

فيها خمسة آلاف دينار. فقبّلت يده.

فقال: إذا كان غدا، وجاء القاسم فهوذا أسارّك حين تقع عيني عليه، سرارا طويلا، ثم ألتفت إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه من خلال ذلك، كالمخالس لي، نظر المترثّي.

فإذا انقطع السرار، فستخرج، ولا تبرح من الدهليز.

فإذا خرجت، خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر والحلّة، وقلّة حظّك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه، فإنّه لا يمنعك، حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار.

فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا، فاصدقه، وإيّاك أن تكذبه، وعرّفه أنّ ذلك، حيلة منّي عليه، حتى وصل إليك هذا، وحدّثه بالحديث على شرحه، وليكن إخبارك إيّاه، بعد امتناع شديد، وإحلاف منه بالطلاق [ ط] والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره، كلّ ما يعطيك إيّاه.

فلما كان من غد، حضر القاسم، فحين رآه، بدأ يساررني، وجرت القصّة، على ما واضعني عليه، فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني.

فقال لي: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء؟ لا تجيئني، ولا تزورني، ولا تسألني حاجة، فأقضيها لك، فدعوت له.

فقال: ما يقنعني إلّا أن تزورني اليوم، ونتفرّج.

فقلت: أنا خادم الوزير.

فأخذني إلى طيّاره، وجعل يسألني عن حالي، وأخباري، فاشكو إليه

الخلّة، والإضاقة، والدّين، وجفاء الخليفة، وإمساك يده، فيتوجّع، ويقول: يا هذا، مالي مالك، ولن يضيق عليك، ما اتّسع عليّ [ولا تتجاوزك نعمة تخلّصت إليّ، أو يتخطّاك حظّ نازل بفنائي]، ولو عرّفتني لعاونتك، وأزلت هذا عنك.

فشكرته، وبلغنا إلى داره، فصعد، ولم ينظر في شيء، وقال: هذا يوم أحتاج أن اختصّ فيه بالسرور بأبي محمد، فلا يقطعني عنه أحد.

فأمر كتّابه بالتشاغل بالأعمال، وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يحادثني ويبسطني، وقدّمت الفاكهة، فجعل يلقّمني بيده، وجاء الطعام، فكانت هذه سبيله، وهو يستزيدني. فلمّا جلس للشراب، وقّع لي بثلاثة آلاف دينار مالا، فأخذتها في الوقت.

وأحضرني ثيابا، وطيبا، ومركوبا، فأخذت ذلك.

وكانت بين يديّ صينية فضّة، فيها مغسل فضّة، وخرداذيّ بلّور، وكوز وقدح بلّور، فأمر بحمله إلى طيّاري.

وأقبلت كلما رأيت شيئا حسنا، له قيمة وافرة، طلبته منه.

وحمل إليّ فرشا نفيسا، وقال: هذا للبنات.

فلما تقوّض المجلس، خلا بي، وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوقي عليك، ومودّتي لك.

فقلت: أنا خادم الوزير.

فقال أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنّك تصدقني عنه.

فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله، وبالطلاق، والعتاق، على الصدق.

ثم قال لي: بأي شيء ساررك الخليفة اليوم في أمري؟

فصدقته عن كل ما جرى، حرفا بحرف.

فقال: فرّجت عني، وأن يكون هذا هكذا، مع سلامة نيته لي، أسهل عليّ. فشكرته، وودّعته. وانصرفت إلى بيتي.

فلما كان من الغد، باكرت المعتضد، فقال: هات حديثك. فسقته إلى آخره.

فقال: احتفظ بالدنانير، ولا يقع لك، أنّك تعامل بمثل هذا بسرعة.

وحدثني أبو السريّ، محمد بن عمر التازيّ البغداديّ، ويعرف بابن عتّاب السقطيّ، قال: حدّثني أبو الطيّب واثق بن رافع، مولى ابن أبي الشوارب، قال: حدّثني أبو محمد عبد الله بن حمدون، بهذا الحديث، فأورده بغير هذه الألفاظ، والمعنى واحد. إلّا أنّه ليس في حكاية واثق، العشاء بالفراريج والدرّاريج، ولا أنّ المعتضد وهب له دينارا.

وأوّل حكاية واثق عن ابن حمدون، قال:

شكوت إلى المعتضد، ديني وإضاقتي، فقال: أمّا مالي فلا طمع لك فيه، ولكن أعمل لك حيلة، وذكر الحكاية [ ط].

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.