تجاوز إلى المحتوى

من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

بيض الأنوق

(بيض الأنوق) الْعَرَب تضرب الْمثل ببيض الأنوق فى الشىء الذى لَا يُوجد فَتَقول أعز من بيض الأنوق وَأبْعد من بيض الأنوق والأنوق الرخم الذّكر وَإِنَّمَا الْبَيْضَة للْأُنْثَى هَذَا قَول أَبى عَمْرو وَأما غَيره من اللغويين والمعنويين فَإِنَّهُم أَجمعُوا على أَن الأنوق تلتمس لبيضها الأوكار الْبَعِيدَة والأماكن الوحشية وَالْجِبَال الشامخة وصدوع الصخر الغامضة فَلَا يصل إِلَيْهَا سبع وَلَا آدمى كَمَا قَالَ الشَّاعِر

وَكنت إِذا اسْتوْدعت سرا كتمتهكبيض أنوق لَا ينَال لَهُ وكر

ويروى أَن رجلا من أهل الشَّام طلب إِلَى مُعَاوِيَة حَاجَة فَأبى وَسَأَلَهُ أُخْرَى فتمثل مُعَاوِيَة بِهَذَا الْبَيْت

طلب الأبلق العقوق فَلَمَّافَاتَهُ ذَاك رام بيض الأنوق

وَقَالَ بعض ولد عُيَيْنَة بن حصن لعمر بن عبد الْعَزِيز

إِن أولى بِالْحَقِّ فى كل حقثمَّ أَحْرَى بِأَن يكون حَقِيقا
من ابوه عبد الْعَزِيز بن مَرْوَانوَمن كَانَ جده الفاروقا
رد أَمْوَالنَا علينا وَكَانَتفى ذرا شَاهِق يفوق الأنوقا

وأنشدنى الخوارزمى لنَفسِهِ

تغربت أسأَل من عَن لىمن النَّاس هَل من صديق صَدُوق
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «تغربت أسأل من عن لي»
فَقَالُوا عزيزان لَا يوجدانصديق صَدُوق وبيض الأنوق
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «تغربت أسأل من عن لي»

وقرأت للصاحب من رِسَالَة لَهُ إِلَى أَبى سعيد بن ابى بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ هَذَا الْفَصْل وَهل غَايَة من أفنى الطوامير واستقصى الأضايير وَكتب الْكتب الطوَال وشحن الصُّحُف العراض يحاول أَن يدل على حالك حَتَّى يخْطر بِبَالِهِ أَن يكْشف عَن بلبالك إِلَّا أَن يُقَال لَهُ أردْت بيض الأنوق كلا بل بيض النوق وَقد أبعد النجعة وَلم يطبق الْمفصل وَأَرَادَ أَن يجىء بعائدة فجَاء بآبدة وَلكُل جواد كبوة كَمَا أَن لكل صارم نبوة

(بيض السماسم) من أَمْثَال الْعَرَب عَن اللحيانى كلفنى بيض السماسم وَوَاحِدَة السمائم سماحة والسمائم طير مثل الخطاف لَا يقدر على بيضه

(بيض النعام) قد تقدم القَوْل فى أَن الْعَرَب تضرب الْمثل للعذارى بِهِ فى الصِّحَّة والسلامة كَمَا قَالَ الفرزدق

(وَهن أصح من بيض النعام ...)

(بَيْضَة الْبَلَد) من أَمْثَال الْعَرَب فلَان بَيْضَة الْبَلَد فيضعونها مرّة فى مَوضِع الْمَدْح وَتارَة فى مَوضِع الذَّم فَأَما الَّتِي يُرَاد بهَا الْمَدْح فَكَمَا قَالَ

على ابْن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ أَنا بَيْضَة الْبَلَد وكما قَالَت عمْرَة ابْنة عَمْرو ابْن عبد ود ترثى أَبَاهَا وتذكر قتل على إِيَّاه

لَو كَانَ قَاتل عَمْرو غير قَاتلهبكيته مَا أَقَامَ الرّوح فى جسدى
لَكِن قَاتله من لَا يعاب بِهِوَكَانَ يدعى قَدِيما بَيْضَة الْبَلَد
للشاعر أم كلثوم بنت عبد ود، اقرأ القصيدة

وَإِنَّمَا يُرَاد ببيضة الْبَلَد وَاحِدهَا الذى تَجْتَمِع إِلَيْهِ وَتقبل قَوْله

وَأما الَّتِي يُرَاد بهَا الذَّم فهى كَمَا قَالَ الراعى

تأبى قضاعة لم تعرف لكم نسباوابنا نزار فَأنْتم بَيْضَة الْبَلَد

وَإِنَّمَا نسبهم إِلَى غير نسب وشبههم بَيْضَة النعام الَّتِي يحضنها غير صَاحبهَا فقد يُرَاد ببيضة الْبَلَد الِانْفِرَاد والذل والضياع لِأَن النعامة تقوم عَنْهَا وتتركها مُنْفَرِدَة بدار مضيعة كَمَا تقدم ذكره وَلِهَذَا الْمَعْنى أَرَادَ من قَالَ

لكنه حَوْض من أودى بإخوتهريب الْمنون فأمسى بَيْضَة الْبَلَد
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «لكنه حوض من أودى بإخوته»

(بَيْضَة الديك) يضْرب الْمثل ببيضة الديك فى الشىء يكون مرّة وَاحِدَة لَا ثَانِيَة لَهَا والذى يعْطى عَطِيَّة لَا يعود لمثلهَا وَذَلِكَ أَن الديك يبيض فى عمره مرّة وَاحِدَة لَا يكون لَهَا أُخْت وَقد تمثل بهَا بشار حَيْثُ قَالَ

قد زرتنا مرّة فى الدَّهْر وَاحِدَةثنى وَلَا تجعليها بَيْضَة الديك
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أخشى عليك من الجارات حاسدة»

(بَيْضَة الْعقر) اخْتلفُوا فِيهَا فَمن قَائِل إِنَّهَا الْبَيْضَة الَّتِي تستبرأ بهَا الْمَرْأَة أبكر هى أم ثيب وَمن قَائِل إِنَّهَا بَيْضَة الديك وَلَا ثَانِيَة لَهَا قطّ

وَمن قَائِل إِنَّهَا آخر بَيْضَة للدجاجة وَلَا بَيْضَة لَهَا بعْدهَا فَتضْرب مثلا للشىء لَا يكون بعده شىء من جنسه وَهَذَا أَسد الْأَقَاوِيل وأقربها من الصَّوَاب

ويحكى أَن رجلا أَخذ من بَين يدى بعض الْمُلُوك البخلاء بَيْضَة فَقَالَ خُذْهَا فَإِنَّهَا بَيْضَة الْعقر ثمَّ لم يَدعه بعد ذَلِك إِلَى مائدته

(بَيْضَة البقيلة) تذكر فى عُيُون الْأَطْعِمَة وَلَا يستحسن الْمُبَادرَة إِلَيْهَا

وهجا الحمدونى طفيليا فَقَالَ

(ويبدرهم إِلَى بيض البقيله ...)

وَيُقَال ثَلَاثَة ينتهى الْحمق إِلَيْهَا وهى أَن يستظل الرجل بمظلته وَهُوَ فى الظل وَأَن يسابق إِلَى بَيْضَة البقلة وَأَن يحتجم فى غير دَاره

وَحكى الجاحظ عَن الحارثى أَنه قَالَ الْوحدَة خير من جليس السوء وجليس السوء خير من أكيل السوء وكل أكيل جليس وَلَيْسَ كل جليس أكيلا فَإِن كَانَ لَا بُد من المؤاكلة فَمَعَ من لَا يستأثر بالمخ وَلَا ينتهز بَيْضَة البقيلة وَلَا يلتهم كبد الدَّجَاجَة وَلَا يُبَادر إِلَى دماغ وَلَا يختطف كلى الجدى وَلَا ينْزع خاصرة الْحمل وَلَا يزدرد قانصة الكركى وَلَا يتَعَرَّض لعيون الرُّءُوس وَلَا يستولى على صُدُور الدراج وَلَا يسابق إِلَى أسقاط الْفِرَاخ

وَحكى عَن مُحَمَّد بن أَبى المؤمل أَنه قَالَ فى كَلَام وَلَقَد كَانُوا متحامين بَيْضَة البقيلة ويدفعها كل امرىء لصَاحبه وَأَنت الْيَوْم إِن لَو أردْت أَن تمتّع عَيْنَيْك بنظرة وَاحِدَة إِلَيْهَا لم تقدر عَلَيْهَا

وَسمعت السَّيِّد أَبَا جَعْفَر الموسوى يَقُول عَاتب بعض النَّاس صديقا لَهُ على إخلاله بإضافته بعد أَن كَانَ يَدعُوهُ كثيرا فَقَالَ مَا الذى أنْكرت منى هَل نبشت وِسَادَتك هَل قلبت حملك هَل بعثرت أبزارك هَل أكلت بَيْضَة بقيلتك هَل تفلت فى طستك

(بَيْضَة الْإِسْلَام) هى مجتمعه وحوزته وَيُقَال للجند حماة الْحَوْزَة ورعاة الْبَيْضَة قَالَ الشَّاعِر يهجو بعض الْحُكَّام

ابكى وأندب بَيْضَة الْإِسْلَامإِذْ صرت تقعد مقْعد الْحُكَّام
إِن الْحَوَادِث مَا علمت كَثِيرَةوأراك بعض حوادث الْأَيَّام

وَيُقَال أَيْضا بَيْضَة الْعَشِيرَة وَمِنْهَا قَول أَبى بكر الصّديق رضى الله تَعَالَى عَنهُ نَحن عشيرة رَسُول الله وبيضتها الَّتِي انفقأت عَنْهَا وَإِنَّمَا دارت الْعَرَب عَنْهَا كَمَا دارت الرحا عَن قطبها

وَمن الْبَيْضَة المستعارة بَيْضَة الْحَدِيد وبيضة العنبر

(بَيْضَة الذَّهَب) تضرب للشىء النفيس تَنْقَطِع مادته بعد أَن تكون الْعَادة جَارِيَة بهَا وَأَصلهَا أَن الرّوم كَانُوا ينفذون إِلَى الأكاسرة فى الإتاوة كل عَام ألف بَيْضَة ذهب كل وَاحِدَة زنتها مائَة مِثْقَال فَلَمَّا ولى الْإِسْكَنْدَر أَتَاهُ من قبل دَارا بن دَارا من يتقاضاه الإتاوة فَقَالَ قل لَهُ إِن الدَّجَاجَة الَّتِي كَانَت تبيض الذَّهَب قد مَاتَت فَسَار قَوْله مثلا وَكَانَ ذَلِك سَببا لالتحام الشَّرّ بَين دَارا والإسكندر حَتَّى قتل دَارا وفى هَذَا الْمثل قَالَ الشَّاعِر يهجو بعض الْحُكَّام

من كَانَ يَنْفَعهُ الْأَدَبويحله أَعلَى الرتب
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فَلَقَد خسرت عَلَيْهِ مَاورثت من أم وَأب
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
كم ضَيْعَة كَانَت تصونالْوَجْه عَن ذل الطّلب
أتلفتها لَا فى القيانوَلَا هوى بنت الْعِنَب
بل فى الْحَوَادِث والجوائحوالشوائب والنوب
كم قلت لما بعتهاوحصلت فى أسر الكرب
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
ضَاعَت دجاجتنا الَّتِيكَانَت تبيض لنا الذَّهَب

الْبَاب الثانى وَالْأَرْبَعُونَ فى الذُّبَاب والبعوض

طيش الذُّبَاب

جرْأَة الذُّبَاب

زهو الذُّبَاب

لجاج الذُّبَاب

طنين الذُّبَاب

أير الذُّبَاب

منجى الذُّبَاب

بق البطائح

ضعف البقة

مخ البعوض

فرَاش النَّار

جهل الفراشة

خفَّة الفراشة

حلم الفراشة

لعاب النَّحْل

كيس النَّحْل

إبر النَّحْل

آنِية النَّحْل

نحل السكر

خصر زنبور

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.