تجاوز إلى المحتوى

من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

غراب عقدة

(غراب عقدَة) من أَمْثَال الْعَرَب قَوْلهم آلف من غراب عقدَة إِذا كثر النّخل وَالْخصب فهى عقدَة يألفها الْغُرَاب وَلَا يبرحها لِأَنَّهُ يجد فِيهَا كل مَا يُرِيد فَهُوَ لَا يفارقها قَالَ ابْن الأعرابى كل أَرض ذَات خصب عقدَة الدّور وَالْأَرضين من ذَلِك وغراب عقدَة يضْرب مثلا للرجل يألف الأَرْض الخصب ومواطن الْخَيْر فَلَا يخْتَار عَلَيْهِمَا وَلَا يبغى حولا عَنْهُمَا

(غراب الْبَين) قَالَ الجاحظ غراب الْبَين نَوْعَانِ أَحدهمَا غربان صغَار مَعْرُوفَة بالضعف واللؤم وَالْآخر كل غراب يتشاءم بِهِ وَإِنَّمَا لزمَه هَذَا الأسم لِأَن الْغُرَاب إِذا بِأَن أهل الدَّار وَقع فى مَوَاضِع بُيُوتهم يلْتَمس مَا تركُوا فتشاءموا بِهِ وتطيروا مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يعترى مَنَازِلهمْ إِلَّا إِذا

بانوا فَسَموهُ غراب الْبَين واشتقوا من اسْمه الغربة والاغتراب وَلَيْسَ فى الأَرْض بارح وَلَا قعيد وَلَا شىء مِمَّا يتشاءم بِهِ إِلَّا والغراب عِنْدهم أنكد مِنْهُ

وللبديع الهمذانى فصل فى ذكره يَلِيق بِهَذَا الْموضع وَهُوَ مَا أعرف لفُلَان مثلا إِلَّا الْغُرَاب لَا يَقع إِلَّا مذموما على أى جنب وَقع إِن طَار فمقسم الضَّمِير وَإِن وَقع فمروع بالنذير وَإِن حجل فمشية الْأَمِير وَإِن شحج فصوت الْحمير وَإِن أكل فدبرة الْبَعِير

قَالَ مؤلف الْكتاب قد أَكثر الشُّعَرَاء فى ذكر غراب الْبَين فَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر

يَا غراب الْبَين فى الشؤموميزاب الجنابه
يَا كتابا بِطَلَاقوعزاء بمصابه
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «قد علا الديوان كابه»

وَقَالَ آخر

بت على رغم غراب الْبَينأَنا وَمن أحب ناعمين
قرير عين بقرير عينفَظن مَا شِئْت بعاشقين

وَقَالَ أَبُو عُثْمَان فى وصف السّمك والصياد

أنعته أَبيض كاللجينسماكه أَشْعَث ذُو طمرين
فى اللَّوْن لَا الطّيب ممسكينأَشد شؤما من غراب الْبَين

(غراب اللَّيْل) يضْرب مثلا لمن لَا يؤنس بأشكاله

قَالَ الجاحظ غراب اللَّيْل هُوَ الذى ترك أَخْلَاق الْغرْبَان وتشبه بالبوم وَأخذ أخلاقها فَأَما قَول ابْن المعتز

وكابدنا السرى حَتَّى رَأينَاغراب اللَّيْل مقصوص الْجنَاح

فَإِنَّمَا هُوَ على الِاسْتِعَارَة لَا الْحَقِيقَة وَلَيْسَ هُوَ غراب بِعَيْنِه

(غراب الشَّبَاب) يذكر ذَلِك على وَجه الِاسْتِعَارَة وَهُوَ كثير فى الْأَلْسِنَة نظما ونثرا كَمَا يُقَال برد الشَّبَاب رِدَاء الشَّبَاب قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد

وليل كغربان الشَّبَاب وصلتهبِيَوْم كَأَن الشَّمْس تقبسه جمرا
للشاعر صريع الغواني، اقرأ القصيدة

وَأنْشد حَمْزَة الأصبهانى لِابْنِ المعتز هَذِه الأبيات وَلم أَجدهَا فى النّسخ العراقية من شعره

شَعرَات فى الرَّأْس بيض ودعجحل فِيهَا جيشان روم وزنج
أَيهَا الشيب لم حللت برأسىإِن عمرى عشر وَعشر وبنج
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شعرات في الرأس بيض ودعج»
طَار عَن مفرقى غراب شبابىوعلانى من بعده شاهمرج

(حنك الْغُرَاب) من أَمْثَال الْعَرَب حنك أَشد سوادا من حنك الْغُرَاب وحلك الْغُرَاب فحنك الْغُرَاب منقاره وحلكه سوَاده

(عين الْغُرَاب) يضْرب بهَا الْمثل فى الصفاء وحدة الْبَصَر فَيُقَال أصفى من عين غراب وَأبْصر من غراب كَمَا يُقَال أبْصر من عِقَاب وَأنْشد الجاحظ لِابْنِ ميادة

أَلا طرقتنا أم أَوْس ودونهاحراج من الظلماء يعشى غرابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يَقُول إِذا كَانَ الْغُرَاب لَا يرى فى حراج الظلماء مَعَ حِدة بَصَره فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِ وَوَاحِدَة الحراج حرجة وهى هَا هُنَا مثل حَيْثُ جعل كل شىء ألتف وكثف من الظلام حراجا قَالَ أَبُو الطمحان القينى

إِذا شَاءَ راعيها استقى من وقيعةكعين غراب صفوها لم يكدر
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

والوقيعة كل مَكَان صلب يمسك المَاء وَالْجمع وقائع

وَإِنَّمَا يُقَال للغراب أَعور لِأَنَّهُ يغمض إِحْدَى عَيْنَيْهِ مُقْتَصرا على إِحْدَاهمَا من قُوَّة بَصَره وَيُقَال إِنَّمَا سموهُ أَعور على طَرِيق التثاقل عَلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر

لقبونى الشحيح من سوء حالىمثل مَا سمى الشواحج عورا
أَنا فى ضِدّه كمأسور قومظلّ يدعى بضده كافورا

(زهو الْغُرَاب) يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال أزهى من غراب لِأَنَّهُ إِذا مَشى اختال وَنظر فى عطفه قَالَ حسان

(فى فحش مومسة وزهو غراب ...) وَقَالَ آخر

(وأزهى إِذا مَا مَشى من غراب ...)

(صِحَة الْغُرَاب) يضْرب بِهِ الْمثل كمايضرب بِصِحَّة الظليم فَيُقَال أصح بدنا من الْغُرَاب وَكَأَنَّهُ من الْحَيَوَان الذى لَا يشتكى وَلَا يعرف من الأسقام إِلَّا شكاية الْمَوْت

(شيب الْغُرَاب) يضْرب مثلا لما لَا يكون فَيُقَال لَا يكون ذَلِك حَتَّى يشيب الْغُرَاب كَمَا يُقَال حَتَّى يبيض القار ويؤوب القارظ ويلج الْجمل فى سم الْخياط أى لَا يكون ذَلِك أبدا وَهَذِه من أَمْثَال التَّأْبِيد قَالَ الجعدى

فَإنَّك سَوف تحلم أَو تناهىإِذا مَا شبت أَو شَاب الْغُرَاب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

وَقَالَ سَاعِدَة بن جؤية

شَاب الْغُرَاب وَلَا فُؤَادك تَارِكذكرى الغضوب وَلَا عتابك يعتب
للشاعر ساعِدَة الهذلي، اقرأ القصيدة

(بكور الْغُرَاب) الْمثل سَائِر بذلك مَعْرُوف قَالَ بعض الْعلمَاء تعلمُوا من الْغُرَاب بكوره وحذره وإخفاءه للسفاد

وَقيل لبزر جمهر بِمَ أدْركْت مَا أدْركْت قَالَ ببكور كبكور الْغُرَاب وصبر كصبر الْحمار وحرص كحرص الْخِنْزِير قَالَ الشَّاعِر

لبسوا الدجى لبس الْغُرَاب لريشهوغدوا لحاجتهم بكور غراب

(حذر الْغُرَاب) تَقول الْعَرَب أحذر من غراب قَالَ الشَّاعِر

يحذر مِمَّا قَضَاهُ خالقهوَلَيْسَ ينجو الْغُرَاب من حذره

وفى رموز الْأَعْرَاب إِن الْغُرَاب قَالَ لِابْنِهِ إِذا رميت فتلوص قَالَ يَا أَبَت إنى أتلوص قبل أَن أرمى

(ثَمَرَة الْغُرَاب) إِذا أصَاب الرجل عِنْد صَاحبه أفضل مَا يُرِيد من الْخَيْر وَالْخصب قَالُوا وجد ثَمَرَة الْغُرَاب وَذَلِكَ أَن الْغُرَاب إِنَّمَا يبتغى من الثَّمر أجوده وأنضجه نقرب تنَاوله عَلَيْهِ فى رُءُوس النّخل

وَمن كَلَام السَّيِّد الْأَمِير أدام الله تأييده من كِتَابه كتاب المخزون فى وصف الْكتاب كتابك شعره النَّحْل وَثَمَرَة الْغُرَاب وَثَمَرَة الْفُؤَاد وبيضة الْعقر وزبدة الأحباب فَانْظُر إِلَى حسن هَذِه التشبيهات وجودة هَذِه التلفيقات من محَاسِن المطعومات

(يازيار الْغُرَاب) يشبه بِهِ الْكَرِيم يلابس مَا يصغر عَن قدره وَيتَعَاطَى عِنْد الضَّرُورَة مَا لَا يَلِيق بِهِ قَالَ ابْن المعتز فى وصف نَبِيذ أسود سئم شربه

علنى أَحْمد من الدوشابشربة نغصت سَواد الشَّبَاب
لَو ترانى أعل من قدح الدوشابأَبْصرت بازيار غراب

الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ فى الْحمام

حمامة نوح

حمام الْحرم

طوق الْحَمَامَة

حذق الْحَمَامَة

غناء الْحمام

سجع الْحمام

هِدَايَة الْحمام

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.