من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
بيت العنكبوت
(بَيت العنكبوت) يضْرب بِهِ الْمثل فى الوهن والضعف قَالَ الله تَعَالَى ﴿كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَإِن أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت﴾ فَدلَّ بوهن بَيته على وَهن خلقه وَلَا أوهن مِمَّا ذكر الله تَعَالَى أَنه أوهن الْبيُوت وَقد أَشَارَ الفرزدق إِلَى هَذَا الْمثل الذى نطق بِهِ الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ لجرير
ضربت عَلَيْك العنكبوت بنسجهاوَقضى عَلَيْك بِهِ الْكتاب الْمنزل
وَقَالَ الأخنف
العنكبوت بنت بَيْتا على وَهنتأوى إِلَيْهِ ومالى مثلهَا وَطن
والخنفساء لَهَا من جِنْسهَا سكنوَلَيْسَ لى مثلهَا إلْف وَلَا سكن
وَقَالَ آخر
إِنَّمَا الدُّنْيَا عناءلَيْسَ للدنيا ثُبُوت
إِنَّمَا الدُّنْيَا كبيتنسجته العنكبوت
(نسج العنكبوت) قَالَ الحمدونى فى طيلسان ابْن حَرْب وَهُوَ يضْرب الْمثل بنسج العناكب
يَا بن حَرْب كسوتنى طيلسانامل من صُحْبَة الزَّمَان وصدا
فحسبنا نسج العناكب إِن قيسإِلَى نسج طيلسانك قدا
ثمَّ قَالَ
طَال ترداده إِلَى الرفو حَتَّىلَو بَعَثْنَاهُ وَحده لتهدى
وَقَالَ بعض أهل الْعَصْر
صديق لنا مذ ذقت طعم إخائهغصصت وَقد أربى على المر شهده
فأضعف من نسج العناكب عَهدهوأضيع من نَار الحباحب وده
(دودة الْخلّ) تضرب مثلا للرجل السَّاقِط يعِيش مَكَان السوء فى حَالَة رذلة رَاضِيا بهما إِذْ لم يعرف سواهُمَا وَلم يتعود غَيرهمَا
وفى الحَدِيث يعيشون كدود الْخلّ فى الْخلّ وَمن امثال الْعَرَب لَا يصبر على الْخلّ إِلَّا دوده
قَالَ الجاحظ كَأَنَّك لَا ترى أَن فى ديدان الْخلّ والديدان الَّتِي تتولد فى السمُوم
إِذا عتقت وَعرض لَهَا العفن وهى تعد قواتل عِبْرَة وأعجوبة وَأَن التَّذَكُّر فِيهَا موقظ للأذهان ومنبه لذوى الفظنة وَتَحْلِيل لعقدة البلادة وَسبب لاعتياد الروية وانفساح فى الصُّدُور وَعز فى النُّفُوس وحلاوة تقتاتها الرّوح وَثَمَرَة تغذو الْعقل وترق فى الشَّرِيعَة وَتَشَوُّقِ إِلَى معرفَة الغايات الْبَعِيدَة
(دودة القز) تضرب مثلا فِيمَن يضر نَفسه وينفع غَيره فَيُقَال مَا فلَان إِلَّا دودة القز وفتيلة الْمِصْبَاح وعود الدخنة
(صَنْعَة السرفة) يضْرب بهَا الْمثل فى عَجِيب نظمها وبديع تركيبها وصنعة كنها ونظرها فى عواقب أمرهَا وَمن أظرف مَا قرأته فى ذَلِك قَول مُحَمَّد بن حبيب هى دودة تنسج على نَفسهَا بَيْتا فَهُوَ ناوسها حَقًا وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه إِذا نقض هَذَا الْبَيْت لم تُوجد الدودة فِيهِ حَيَّة أصلا
وَقَالَ غَيره كَانَ النَّاس يتعلمون الْحِيَل من أَفعَال الْبَهَائِم وصنوف الْحَيَوَان فتعلموا الحذر من السرفة وتعلموا الحقنة من الطَّائِر الذى إِذا تخم من كَثْرَة أكل السّمك جَاءَ الْبَحْر فَأخذ مِنْهُ بمنقاره تُرَابا ثمَّ أدخلهُ فى دبره قَلِيلا فَإِذا فعل ذَلِك اسْتطْلقَ بَطْنه من سَاعَته وَاسْتَخْرَجُوا آلَات الْحَرْب فَأخذُوا الرمْح من قرن الكركدن وَالسيف من نَاب الْخِنْزِير والسهم من شوك الْقُنْفُذ والترس من ظهر السلحفاة
(لجاج الخنفساء) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن الخنفساء إِذا نحيت عَادَتْ وَكلما رمى بهَا رجعت مستمرة فى أدراجها وَلم تبْق وَلم تدر فى اللجاج
قَالَ الشَّاعِر
لنا صَاحب مولع بِالْخِلَافِكثير المراء قَلِيل الصَّوَاب
أَشد لجاجا من الخنفساءوأزهى إِذا مَا مَشى من غراب
(وادى النَّمْل) يضْرب مثلا للمكان الْكثير السكان قَالَ الجاحظ فى قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا أَتَوا على وَادي النَّمْل قَالَت نملة يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ لَا يحطمنكم سُلَيْمَان وَجُنُوده وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أخبر بِأَنَّهُم بأجمعهم وقفُوا على ذَلِك الوادى وَأَن ذَلِك الوادى مَعْرُوف بوادى النَّمْل فَكَأَنَّهُ كَانَ حمى والنمل رُبمَا أجلى أمة من الْأُمَم عَن بِلَادهمْ
(قَرْيَة النَّمْل) يشبه بهَا الْمحل أَو الدَّار الْكَثِيرَة الْأَهْل وَغير هَذَا الْمَعْنى أَرَادَ ابو تَمام بقوله فى وصف الْخمر
وكأس لمعسول الأمانى شربتهاوَلكنهَا أجلت وَقد شربت عقلى
وَإِذا مَا تحساها الْفَتى ظن قلبهلما دب فِيهِ قَرْيَة من قرى النَّمْل
فَأَما مدب النَّمْل فَإِن فرند السَّيْف يشبه بِهِ كَمَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
متوسدا عضبا مضاربهفى مَتنه كمدبة النَّمْل
يدعى صقيلا وَهُوَ لَيْسَ لَهُعهد بتمويه وَلَا صقل
حذ
ثمَّ أتبعه الشُّعَرَاء فَأَكْثرُوا من هَذَا التَّمْثِيل قَالَ أَبُو فراس فى وصف البازى
كَأَن فَوق صَدره والهادىآثَار مَشى الذَّر فى الرماد
وَوصف بَعضهم الْخبز فَقَالَ رغفان كَأَن فى خللها مداب أرجل النَّمْل
قَالَ أَبُو الْفَتْح بن العميد وَالشعرَاء يشبهون الشئ الصَّغِير الْقصير بإبهام القطا والحبارى وأظفور العصفور
وَأَرَادَ أَن يبتدع عَلَيْهِم فى اللَّفْظ وَالْمعْنَى فَكتب إِلَى أَبى الْحُسَيْن بن فَارس رقْعَة صدرها وصلت رقْعَة الشَّيْخ فَكَانَت أقصر من أنمل الرمل وأقصر من منفقة بقة
(عض النملة) قَالَ بعض الْعلمَاء وَهُوَ يضْرب الْمثل بِمَا يستهان وَلَا يبالى بِهِ فَيُقَال مَا عَسى ان يكون عض النملة وقرص القملة ولسع النحلة وَوُقُوع البقة على النَّخْلَة ونباح الْكلاب على السَّحَاب وَمَا موقع الذُّبَاب من ذى نَاب
(جنَاح النملة) يضْرب مثلا لارتياش الضَّعِيف واستغناء الْفَقِير بِمَا فِيهِ هَلَاكه إِذْ من أقوى أَسبَاب هَلَاك النَّمْل نَبَات أجنحته
وَيُقَال لم يرد الله النملة صلاحا إِذا أنبت لَهَا جنَاحا وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
أَحْبَبْت دَارا همها قدرجم العروج كَثِيرَة شعبه
إِن استهانتها بِمن صرعتلبقدر مَا تعلو بِهِ رتبه
وَإِذا اسْتَوَت للنمل أَجْنِحَةحَتَّى يطير فقد دنا عطبه
وأنشدنى الْأَمِير السَّيِّد أدام الله تأييده
أَرض من دنياك بالقوتوَإِن كَانَ يَسِيرا
فهلاك النَّمْل أَن يكسىجنَاحا فيطيرا
(كسب النَّمْل) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَن النَّمْل والذر والفأر من الْحَيَوَانَات الدائبة فى الْكسْب وَالْجمع
(قُوَّة النَّمْل) يضْرب بهَا الْمثل لِأَن النملة تجر نواة التمرة وهى أضعافها وزنا
ودعا رجل لبَعض الْمُلُوك فَقَالَ جعل الله جرأتك جرْأَة ذُبَاب وقوتك قُوَّة نملة وكيدك كيد امْرَأَة فَغَضب الْملك من قَوْله فَقَالَ لَهُ على رسلك أَيهَا الْملك إِنَّه يبلغ من جرْأَة الذُّبَاب أَن يَقع على أنف الْملك ويبلغ من قُوَّة النملة أَن تحمل أَضْعَاف وَزنهَا والفيل لَا يسْتَقلّ بِبَعْض ذَلِك ويبلغ من كيد الْمَرْأَة مَالا يبلغهُ دهاة الرِّجَال
(شم الذّرة) قَالَ الجاحظ للذرة مَعَ لطافة شخصها وخفة وَزنهَا من الشم والاسترواح مَا لَيْسَ لشئ وَرُبمَا أكل الْإِنْسَان الْجَرَاد أَو مَا يُشبههُ فَتسقط من يَده وَاحِدَة أَو رجل وَاحِدَة مِنْهَا وَلَيْسَ يرى بِقُرْبِهِ ذرة وَلَا لَهُ بالذر عهد فى ذَلِك الْمنزل فَلَا يلبث أَن يرى الذّرة قد أَقبلت إِلَى تِلْكَ الجرادة
فترومها وَرُبمَا نقلتها وسحبتها وجرتها فَإِذا أعجزتها بعد ان تبلى عذرا مَضَت إِلَى جحرها رَاجِعَة فَلَا يلبث الْإِنْسَان أَن يَرَاهَا قد اقبلت وَخَلفهَا كالخيط الْمَمْدُود من الذَّر حَتَّى يتعاون عَلَيْهَا فيحملنها فَأول ذَلِك صدق الشم لما يشمه الْإِنْسَان الجائع ثمَّ بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شئ فى وزن جسمها مائَة مرّة اَوْ أَكثر وَلَيْسَ شئ من الْحَيَوَان يحمل ضعف وَزنه مرَارًا غَيرهَا على أَنَّهَا لَا ترْضى باضعاف الْأَضْعَاف إِلَّا بعد انْقِطَاع الأنفاس
(جمع الذّرة) قَالَ الجاحظ أما ترَوْنَ إِلَى خلق الذّرة وَمَا فِيهَا من بديع التَّأْلِيف وَمن الإحساس الصَّادِق والتدابير الْحَسَنَة وَمن الروية وَالنَّظَر فى الْعَاقِبَة وَالِاخْتِيَار لكل مَا فِيهِ صَلَاح الْمَعيشَة وَمَعَ مَا فِيهَا من الْبَرَاهِين النيرة والحجج الظَّاهِرَة
وَقَالَ فى مَوضِع آخر قد علمنَا الذّرة تدخر فى الصَّيف للشتاء وتتقدم فى حَالَة المهلة وَلَا تضيع أَوْقَات الفرصة ثمَّ تبلغ من نقدها وَصِحَّة تمييزها وَالنَّظَر فى عواقبها أَنَّهَا تخَاف على الْحُبُوب الَّتِي تدخرها للشتاء أَن تعفن وتسوس فتنقلها من بطن الأَرْض إِلَى ظهرهَا لتعيد إِلَيْهَا جفافها وليضربها النسيم وينفى عَنْهَا الْفساد ثمَّ رُبمَا بل فى أَكثر الْأَوْقَات اخْتَارَتْ ذَلِك لَيْلًا لِأَنَّهُ أخْفى وفى الْقَمَر لِأَنَّهَا فِيهِ أبْصر فَإِن كَانَ مَكَانهَا نديا وخافت أَن ينْبت نقرت مَوضِع القطمير من وسط الْحبَّة وهى تعلم أَنَّهَا من ذَلِك الْموضع تبتدئ تنْبت وهى تفلق الْحبّ كُله أنصافا وَإِذا كَانَ الْحبّ من حب الكزبرة
فلقته أَربَاعًا لِأَن أَنْصَاف حب الكزبرة تنْبت من جَمِيع جهاته فهى من هَذَا الْوَجْه مُجَاوزَة لفطنة جَمِيع الْحَيَوَانَات
وفى وَصِيَّة لُقْمَان لأبنه يَا بنى لَا تكن الذّرة أَكيس مِنْك تجمع فى صيفها لشتائها
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
تركت وَالله لَهُ عرضهكَرَامَة للشعر لَا للتقى
لِأَنَّهُ أحرص من ذرةعلى الذى تجمعه للشتا
وفى حَدِيث عَمْرو بن معدى كرب حِين سَأَلَهُ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ عَن سعد بن أَبى وَقاص قَالَ أَسد فى خيسه أعرابى فى شملته نبطئ فى حبوته ينْقل إِلَيْنَا نقل الذّرة إِلَى جحرها
وَقَوله نبطى فى حبوته لم يرد احتباء النبطى لِأَن الاحتباء للْعَرَب كَمَا يُقَال حباء الْعَرَب حيطانها وَلَكِن أَرَادَ أَنه فى حبوة الْعَرَب كالنبطى فى علمه بالخراج وَعمارَة الأَرْض
وَقد يجمع بَين النَّمْل والذر فى الْوَصْف بِالْجمعِ قَالَ الجمحى
وَلها بالماطرون إِذاأكل النَّمْل الذى جمعا
وَقَالَ الْكُمَيْت وَهُوَ يصف محلا
وأنفد حَتَّى النَّمْل مافى بُيُوتهموَعلل بالسوف الْوَلِيد الْمُهَذّب
وَقَالَ آخر
يجمع للْوَارِث جمعا كَمَاتجمع فى قريتها النَّمْل
وَذكر عمر بن عبد الْعَزِيز رضى الله عَنهُ زيادا فَقَالَ قَاتل الله زيادا جمع لَهُم كَمَا تجمع الذّرة وحاطهم كَمَا تحوط الْأُم الْبرة وحبا الْعرَاق مائَة ألف ألف دِرْهَم وَثَمَانِية عشر ألف ألف
(مخ الذَّر) يضْرب بِهِ الْمثل فى الْعسر والنكد فَيُقَال أنكد من مخ الذَّر كَمَا يُقَال أنكد من صوف الْكَلْب وأعز من لبن الطير قَالَ ابْن الرومى فى سُلَيْمَان بن عبد الله بن طَاهِر
رمت نداكم يَا بنى طَاهِرفرمت مخ الذَّر فى عسرته
أملت من رفد سليمانكممَا أمل المعتز من نصرته
(مِثْقَال ذرة) يضْرب مثلا فى الْقلَّة والخفة قَالَ الجاحظ قد ذكر الله تَعَالَى ذَلِك فَقَالَ ﴿فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة شرا يره﴾ فَكَانَ فى ذَلِك دَلِيل على أَنه فى الْغَايَة من الصغر والخفة وَعدم الرجحان قَالَ شَاعِر فى بعض المعلمين
معلم صبيان وحامل درةوَلَيْسَ لَهُ علم بِمِقْدَار ذرة
(علم الحكل) الحكل من الْحَيَوَان مالم يكن لَهُ صَوت يستبان باخْتلَاف مخارجه عِنْد جزعه وضجره وَطَلَبه مَا يعدوه يضْرب
مثلا لإعظام التفرس وسمو التفكر كَمَا يتَمَثَّل بِهِ عِنْد الْجزع والضجر وَطلب الْأَمر الْعَزِيز المنال قَالَ رؤبة
لَو أننى علمت علم الحكلعلم سُلَيْمَان وَعلم النَّمْل
وَقَالَ العمانى
(وَيفهم قَول الحكل لَو أَن ذرة ... تساود أُخْرَى لم يفته سوادها) يَقُول الذَّر الذى لَا يسمع لمناجاته صَوت لَو كَانَ بَينه وَبَين صَاحبه سرار لفهمه والسرار والسواد وَاحِد وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
الْبَاب الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ فى النعام
بيض النعام
عَدو النعام
شِرَاد النعام
ظلّ النعامة
جنَاحا النعامة
رجلا النعامة
شم النعامة
موق النعامة
صِحَة الظليم
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع