من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وسيرته
قال الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني: الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنه خلق السماوات والأرض، وأنه يحيى ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير [¬].
قال مؤلف جهانكشاي [¬]: إن من أولاده من كان بملة عيسى، ومن دان بملة موسى، ومنهم من أخرج الجميع، وكل من اعتقد من بنيه مذهبا لم يكن له
تعصب على غيره ومنهم من تقرب بالأصنام [¬]، وكان جنكيز خان [¬] إذا تهدد أحدا من الملوك أو كاتبه بالتحذير من صولته، قال له: إن أطعت كان لك كذا وكذا من الإعزاز والتقريب، وإن عصيت فالله أعلم بما يكون حالك معنا، قال: ويلمح من هذا القول نوع من التوكل والتفويض.
وأمّا السياسة وأحوالها كثيرة، فمنها ما يوافق الشريعة المحمدية، قال: وليعلم أن هذا الرجل لم يقف على سيرة ملوك، ولا طالع كتابا، وجميع ما نسب إليه من ذلك صادر عن قوة ذهنه (المخطوط ص) وحسه، واستدراك الأصلح من قبل نفسه، فإنه استخرج لكل منهم مبهمّ، وقعد قاعدة مفردة، ولكل مذنب عقوبة مقدرة، وعين حدودا، لا إمهال له عندهم، ولا مغير، وأوعز أن يتعلم ذلك صغار أهله، ويسرى امتثاله عن عقب الرجل منهم، ونسله، بعد أن أثبتها في كتاب سماه الياسا الكبيرة [¬]، وأمر أن يوضع في خزانته، ويتوارثها أقارب عصبته وذريته [¬].
ونسخ ما كان لهم من قديم عواند مذمومة بتسليكات محمودة مفهومة، فمن ذلك أن من زنى سواء أن كان محصنا أو غير محصن قتل، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن يتجسس علي قوم قتل، ومن داخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال من الماء قتل، ومن أعطى بضاعة وخسر ثم أعطى ثانية وخسر إلى الثالثة قتل، ومن أطعم أسير قوم أو كساه أو شكاه بغير إذنهم قتل، ومن وجد هاربا أو أسيرا أو عبدا ولا يرده قتل.
وكانوا يعتمدون في ذبح الحيوان أن تكتف قوائمه ويشق جوفه، ويدخل أحدهم يده إلى قلبه ويهرسه فركا حتى يموت أو يخرج قلبه، ومن ذبح كذبيحة المسلمين ذبح، ومن وقع جمله أو فرسه وثقله في كر أو فر، ومر عليه من يتلوه بعده، ولم ينزل لمساعدته قتل، وقيل كانت لهم ياسه قديمة أن من ارتمس في الماء قتل.
وكان جنكيز خان يعظم رؤساء كل أمة وملة، ويتخذ تعظيمهم، وسيلة إلى الله تعالى.
قال: والمشهود من حالهم إسقاط المؤمن والكلف عن العلويين [¬] والفقراء [¬] والقراء والفقهاء والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم والزهاد حتى عن المؤذنين ومغسلي الموتى.
ومن آدابهم المستعملة وقوانينهم أشياء كثيرة؛ منها أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاما حتى يأكل المطعم منه أولا، ولو كان المطعم أميرا والمطعم أسيرا، ولا يختص أحد بالأكل وحده دون أن يطعم جميع من وقع نظره عليه ذلك الطعام، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه، بل يقسمون الزاد بالسوية، ولا يرمى أحد بالمأكول رميا، وقد قابل (المخطوط ص) مناولة باليد، ولا يخطو أحد موقد نار ولا طبق زاد، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم، ويأكل معهم من غير استئذان، وأن لا يدخل الإنسان يده في الماء بل يأخذ ملء فيه، ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرماد، ولا يطأ عتبة الخركاه [¬].
قال: وسمعت أنهم كانوا لا يرون غسل الثياب البتة، ولا يميزون بين ما يميزه المسلمون في شيء من طاهر ونجس البتة [¬].
قال: ومن قوانينهم التي ألفت منهم أن لا يتعصبوا لمذهب من المذاهب على مذهب، وأن لا يفخموا الألفاظ والألقاب من كلام بل يتلفظ باسم السلطان كما يسمى غيره، فيقال قد تقدم قاآن أو خان [¬] بكذا وكذا، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلا، ولو ترك ملأ الأرض ولا يدخلونه خزانة السلطان.
قال: وأما ترتيب العساكر والقانون المقرر في ذلك، فأعلم أنه لا ينقل في تاريخ قديم ولا حديث أن عسكرا اجتمع لسلطان كثرة كما اجتمع لهم كثرة عدد وعدد وقوة وصبرا وطاعة لسلطانهم إلا لأجل مشاهرة، ولا توقع مال وجاه بل لمجرد الطاعة حسب، ثم إذا رجعوا من القتال وكرب الحرب إلى السكون، والسلم [¬]، أخذ السلطان فيهم القلان [¬] والقبجور [¬] والأولاق [¬] والبدرقة [¬] من غير ضجر
منهم، ولا تأسف منهم، بل يؤدونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا للقتال، عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح.
قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم [¬] تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الطلب والسخر السلطانية، ومن ذلك أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان، ويحملن جميعا في رأس كل سنة إلى السلطان، فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي.
ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف [¬] والمئات [¬] والعشرات [¬] فهو أضبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه.
ومن جملة ياسهم أنه إذا كان أمير في غاية القوة والعظيمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق (المخطوط ص) والمغرب، حتى أذنب ذنبا يوجب عقوبة، بعث إليه ولو من أخس أصحابه من يؤذ به بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان من ذنبه ما يوجب قتله، ألقى نفسه بين يديه ذليلا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرا كان أو جليلا. [¬]
ومنها أن كل أمير لا يتردد إلي سواه، ولا يتغير عن موضعه [¬] فإن فعل ذلك
عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده.
ومنها وضعهم البريد بكل مكان، طلبا لحفظ الأموال، وسرعة إيصال الأخبار، ومستجدات الأحوال.
وكان لجنكيز خان عادة مستمرة، وإن كانت إلي الآن سارية في الأولاد، وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه، في كل وقت يتفرغ فيه من القتال، والمنازلة، وربما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، يحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة [¬]، ويضايقون ما بين الخراكي [¬] والبيوت بالحبال، ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة، وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار أوامره، وإدمانهم علي استعمال السلاح، وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمضاهرة على الأرواح.
ومن عاداتهم أنه متى خرج من قبل واحد منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما تقدم من أمره بل ربما قتلوه، ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم [¬]، وتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها وكثرتها وقلتها، فإذا ضاقت الحلقة، وتراكمت الصيود، مشحونة بغرائب الوحوش، والحيوانات السهلية والجبلية، ودخل هو وأولاده وخواصه، وتفوقوا في القتل والقبض والتفرج، وربما استثرف القان من مكان عال، لينظر فروسية أولاده، وقوة مراسهم، فإذا تخلف من تلك الصيود بعد ذلك شيء، اجتمع ولدانهم وصبيانهم، وشفعوا إلى السلطان في إطلاق ذلك المتخلف.
وحكى أن في بعض صيودهم واجتماع ما اجتمع في بعض تلك الحلق لهم من الوحوش، وضاقت عليهم المذاهب، وعاينت التلف، فاستقبلت السلطان بوجهها
وجاءت إليه بالصياح العالي على هيئة المستعطف (المخطوط ص) المستجير، فيتقدم بفك الحلقة، وإطلاق تلك الوحوش [¬].
قال الصاحب علاء الدين الجويني [¬] كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين [¬] والسراري [¬] وكان أعظم نسائه أوبولجين بيكي، وفي رسم المغول تعظيم الولد بنسبة والدته، فكان له من هذه المذكورة، أربعة أولاد معدين للأمور الخطرة وهم لتخت ملكه بمنزلة أربعة قوائم سدته، وكان أكبرهم توش والد قردوا [¬] وباته [¬] وبركه [¬] وتركجار [¬]، فرتب توش على الصيد والقبض لأنه أمر محبوب إليهم موصوف عندهم، ورتب جغتاي [¬] الذي هو أصغر منه لتنفيذ الياسات والأرغوا [¬] والمقابلات وأمثال ذلك، ورتب أوكتاي [¬] لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال واختيار الأعمال وعرض الجيوش
وتجهيزها.
وحكى أنه قال لأولاده في جملة وصاياه إليهم، وحقه لهم على المؤالفة، وإجراء الأمور على انقياد الصغير للكبير، وضرب لهم أمثالا منها أنه دفع إليهم عدة أسهم مفردة، وأمر بكسر كل واحد منهم، فكسر في أسرع وقت، ثم جمع من تلك الأسهم عدة كثيرة، وأمر كل واحد منهم بكسرها مجتمعة، فعجزوا، قال: كذا حالكم في الوهن متفرقين.
ولما عرضت لهم الممالك، وذلت لهم المسالك، عين لكل منهم إقليما بمفرده، ومنزلا يختص بحشده وعدد، فعين لأخيه أو تكين نويان [¬] حدود بلاد الختا [¬] وعين لولده الكبير توشى من حدود قيالق إلى أقصى شفشين وبلغار [¬]، وعين لجغتاي من حدود الأويغور [¬] إلى سمرقند وبخاري، وجعل لنفسه مقاما في قياس مجاور أرمالق، وجعل ولده أوكتاي ولي عهده، وكان موضعه في عهد حدود آمل وقراباق [¬]، فلما جلس على تخت السلطان، انتقل إلى الموضع الأصلي بين الختا
وبلاد الأويغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك [¬] وكان ولده تولى [¬] متصلا به، وبالجملة كان موضعه نقطة دائرة ملكه، وبنوه حوله كمحيط الدائرة.
وكان أولاده وأحفاده أزيد من عشرة آلاف، هذا ما ذكره الصاحب علاء الدين، وقد سألت شيخنا فريد الدهر شمس الدين (المخطوط ص) الأصفهاني [¬] عن بني جنكيز خان فقال: إن جنكيزخان أولد أربعة أولاد وهم جوجى [¬] وجداري [¬] وتولى [¬] واوكتاي [¬] فقتل جوجى في حياة أبيه، وكان أكبر أولاده، وأعزهم وخلف أولادا.
قال ابن الحكيم: هو باتو [¬] وأورده وبركه وتووك وجمنى [¬].
قال شيخنا شمس الدين: المشهور باتو وبركة ابنا جوجي، فلما قتل أبوهم كان جنكيز خان؛ أبوه، قد عين له دمشق القبجاق [¬]، وما معه، وأضاف إليه آراك [¬]
وتبريز [¬] وهمدان [¬] ومراغه [¬]، وأوصى جنكيز خان بأن يكون تخته لولده الصغير اوكتاي [¬] وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر جداي [¬] ولم يجعل لتولي [¬] شيئا، فاستقل اوكتاي بتخت أبيه جنكيز خان، واستقل بدشت القبجاق وما معه، ولم يتمكن جداي مما له من ممالك ما وراء النهر.
ثم مات اوكتاي وارث التخت، وملك بعده ولده كيوك، وكان رجلا شريرا جبارا متسلطا قوي النفس، فقوى على بني أبيه، وحكم عليهم حكما قاهرا [¬]، وهم بمعاندة باتو، ونزع يده، وبعث أميرا اسمه الجكداي إلى آران وبقية المضافات معها إلى باتو، وأمره بإمساك نواب باتو بها، وحملهم إليه، وسمع نواب باتو بذلك، فكتبوا إلى باتوا بالاستئذان على ما يكون اعتمادهم عليه.
وصل الجكداي المجهز من جهة كيوك، وفي تلك الساعة بعينها، عاد جواب باتو على نوابه بمسك الجكداي، وتقييده، وحمله إليه، فقامت شيعة أولئك النواب المقيدين، ففكوا قيودهم، وأمسكوا الجكداي، وقيدوه وحملوه إلى حضرة باتو، فسلقه [¬] بالماء، فلما بلغ هذا كيوك مرسله عز عليه، وعظم لديه، وجمع ستمائة ألف فارس، وسار كل واحد منهما لملتقى الآخر وقتاله.
فلما تقاربا حتى كان بينهما نحو عشرة أيام مات كيوك [¬]، فاضطرب من كان معه، ثم اتفق رأي الخواتين والأمراء على مكاتبة باتو، فكتبوا إليه بإعلامه بموت كيوك، وأنه هو أحق بتخته، فيفعل ما يراه.
فقال باتو: لا حاجة لي به وإنما أبعث إليه بعض أولاد تولي، وعين له منكوقان [¬] بن تولى، وجهزه إليه هو وأخوه قبليه قان [¬] (المخطوط ص) وهولاكو وجهز معهم باتو أخاه بركه في مائة ألف فارس من بهادرته [¬] العسكر ليجلسه على التخت، ثم يعود.
فأخذه معه وتوجه به ثم أجلسه، وعاد، فلما مر ببخارى، اجتمع بالشيخ سيف الدين الباخرزي [¬] من أصحاب شيخ الطريقة نجم الدين كبرى [¬] وحسن موقع كلام الباخرزي عنده، وأسلم على يده، وتأكدت الصحبة بينه وبين الباخرزي، فأشار عليه الباخرزي بمكاتبة المستعصم الخليفة [¬] ومتابعته ومهاداته، فكاتب الخليفة، وبعث إليه هدية، وترددت بينهما الرسل والمكاتبات والتحف والمهاداة.
ثم أن منكوقان لما استقل بالتخت ملك أولاد جغتاي [¬] مملكة ما وراء النهر، تنفيذا لما كان جنكيز خان أوصى به لأبيهم جغتاي، ومات دونه.
وعلت كلمة منكوقان، وجاءت إليه رسل أهل قزوين وبلاد الجبال [¬] يشكون من سوء مجاورة الملاحدة [¬]، وضررهم بهم، فجهزهم [¬] أخاه هولاكو في جيوش جمة لقتال الملاحدة، وأخذ قلاعهم [¬]، وقطع دابر دولتهم.
فحسن هولاكو لأخيه منكوقان أخذ ممالك الخليفة وخرج على هذا، فبلغ هذا بركة بن جوجي، فصعب عليه، لما تأكد بينه وبين الخليفة من الصحبة [¬]، وقال لأخيه باتو: إننا نحن أقمنا منكوقان، وما جزانا منه أنه يكافئنا بالسوء في أصحابنا، وينقض عهدنا، ويحقر ذمتنا، ويتعرض إلى ممالك الخليفة، وهو صاحبي وبيني وبينه مكاتبات وعقود مودة، وفي هذا ما فيه من القبح.
وقبح على أخيه باتو فعل هولاكو، فبعث باتو إلى هولاكو بأنه لا يتعدى مكانه، فجاءه رسالة باتو وهو وراء نهر جيحون ما غيره، فأقام في موضعه بمن معه سنتين كاملتين حتى مات باتو، وتسلطن أخوه بركة بعده، فحينئذ قويت أطماع هولاكو، وبعث إلى أخيه منكوقان يستأذنه في إمضاء ما كان أمره به، من قصد
ممالك الخليفة وانتزاعها منه، وحسّن له ذلك، فأجابه إليه [¬].
ودخل هولاكو إلى البلاد، وأوقع بالملاحدة [¬] واتهم سبعمائة نفر من أكابر همذان وتلك البلاد المضافة إلى باتو ثم إلى بركة (المخطوط ص) بالميل إلى بركة والمباطنة على هولاكو ومنكوقان، وقتلهم عن آخرهم، وامتد في البلاد، وقصد دست [¬] القبجاق، وعدى إليه، وأقام ثلاثة أيام، لا يجد مقاتلا، فلما كان في اليوم الرابع دهمتهم الخيل، وداسهم بركة بجنوده وعساكره، ودارت الدائرة على هولاكو حتى هم بالهزيمة، فترك أمير كبير [¬] كان معه اسمه سنتاي، وهو المنسوب إليه عقبة سنتاي بالعراق، وأمسك برأس فرس هولاكو، وقال له: أين تروح؟ ثم استمر القتل في أصحابه فتأخر حتى صار نهر الكر، بينه وبين بركة [¬].
وجاء بركة على نهر الكر، ولم يجد له سبيلا إلى العبور، ورجع هولاكو، وعاث في البلاد، وعام في تيار الفساد، وفعل فعلته، وقويت العداوة بينه وبين بركة قاآن [¬] وخف حاذه من الجيش لمقاومة أعدائه.
ثم لما جرى على بغداد ما أجرى العيون دما، وأسال النفوس أسفا، استأثر
هولاكو بجلال الدين بن الدوادار [¬] الخليفتي المستعصمي [¬]، واتخذه هولاكو موضع رأيه، ومكان سره، فلما كسر هولاكو، وتضعضعت رعان جيشه، كما ذكرنا، شكا إلى جلال الدين بن الدوادار ما أصابه من الكسرة وفناء جنوده، فقال له جلال الدين: عندي عسكر جيد خير من هؤلاء، قال: من هم؟ قال: عسكر الخليفة فإن ابن العلقمي [¬] قطعهم وإلا فهم أحياء موجودين وأنا أجيبهم إليك، فأعجب هولاكو كلامه، ووقع منه موقعا حسنا، وكتب له يراليغ [¬] مضمونها إننا قد جهزنا جلال الدين بن الدوادار في شغل مهم لنا، ورسمنا له بما يفعل، ومرسومنا أن يمتثل جميع الخواتين والأمراء والنواب والقراولات [¬] وكافة الناس أمر جلال الدين المذكور، وأنه مهما شاء فعل، يقتل من يريد، ويخلى من يريد، وأن لا يعارض في أمر من الأمور، ولا يعترض عليه بسبب من الأسباب.
ومن هذا ومثله فتوجه جلال الدين، وحط يده في كل من بقى بحده من أمراء المغل وأكابرهم، والمقربين عند هولاكو، وفعل فيهم ما أراد، وفتك فيهم أنواع الفتك، حتى وصل إلى بغداد واستعد فيها (المخطوط ص) لما يريد أن يعمله، وأخذ منها ما أراد ومن أراد، ودخل البرية هاربا من هولاكو على عزم الوصول إلى مملكة مصر، فأدركه أجله قبل الوصول إليها.
وبلغ هولاكو ما فعله جلال الدين في المغل من الفتك والقتل والتنكيل، ثم ما أخذه من بعده، وخرج به هاربا منه، فانفطرت كبده، ومات غبنا منه.
قال شيخنا شمس الدين الأصفهاني: ومات هولاكو [¬] ولم يملك ملكا مستقلا، وإنما كان نائبا عن أخيه منكوقان ثم كان هكذا أبغا [¬] ومن بعده، إلى أن استقل أرغون بن أبغا [¬] بالملك، وأضاف اسمه في السكة إلى اسم صاحب التخت أمير لا يزال مقيم في مملكة إيران مع هولاكو وبنيه له عندهم حرمة كبيرة ومكانة محفوظة حتى ملك محمود غازان بن أبغا [¬] فكتب اسمه بمفرده على السكة، وأسقط اسم القان صاحب التخت وأهان أمر أميره حتى لم يبق له وضع ولا حرمة وامتهن ذلك الجانب، واستقل بالملك والسلطنة في أولاده.
وقال: أنا ما أخذت البلاد إلا بالسيف، وقام الأمر على هذا مدة محمود غازان ومن بعده.
قال الشيخ: ولهذا ينتقص ملوك بني جنكيز خان بيت هولاكو، يقولون أنهم ما نقلوا [¬] الملك عن جنكيز خان ولا عن وارث [¬] تخت جنكيز خان، وإنما أخذوه
باليد والعداوات ومطاولة الأيام.
وسأذكر في ترجمة مملكة إيران شبهة أخرى في دعوى ملوك دشت القبجاق أن مراغة [¬] وتوريز [¬] لهم على ما كان يبلغنا من أخبارهم في كل وقت، ثم ما حدثني به الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكم، وسألت ابن الحكيم والشريف محمد بن حيدرة الشيرازي، عمن يعلمانه بقى من أولاد هولاكو، فقال كل منهما أنه لم يبق أحد محقق النسب إلا ما قيل عن محمد المنسوب إلى عنبرجي [¬] على كثرة اختلاف فيه، ثم جاءت الأخبار وصحت بعدم هذا محمد.
وقال لي (المخطوط ص) نظام الدين بن الحكيم أهل هذا البيت، تفانوا بعضهم على بعض، لخوف القائم منهم على ملكه، حتى أن كثيرا من أبناء ملوكهم كانوا يتخفون من الملك القائم حتى أن بعضهم كان يخلد إلى الحرف والمهانات لتستسقط همته، فيترك، ويجعل هذا سبيله للخلاص وطلبا للسلامة، حتى أن بعضهم كان قد عمل نساجة، وبعضهم عمل في الأدم [¬] وبعضهم باع الشعير علافا، ومن هذا قال ويقال في أنساب كل منتسب منهم لكثرة التخليط من الأمهات، ومخالط آبائهم للعوام حتى خفت أنسابهم، فجهلت أحوالهم.
وأخبرني الأمير الكبير المقدم نسيب السلطنة طايربغا أنه أول من استقبل من هذا البيت بسلطان جدهم جنكيز خان [¬]،
والتلفظ الصحيح جنكص خان [¬] بالصاد ثم اوكديه والتلفظ الصحيح به اوكداي [¬] ثم كيوك قان [¬] ثم مونككا قان [¬] (بن طولى بن جنكيز خان) ثم ادي يكا ثم قتلى قان [¬] ثم دمرقان [¬] ثم برياي ثم تزي طيزى ثم قيسان قان ثم سندمرقان، فأما نسبه إلى جنكيز خان فهو سند مرقان بن طرمالايا بن جمكم بن قبلى قان بن طولا بن جنكيز خان وهذا نسبه [¬].
وأما ملوك الترك وهي تركستان وما وراء النهر وأولهم جغطاي بن جنكيز خان [¬]، وقد نبهنا على أنه لم يستقل، ثم (ولده مكتوكان [¬] ثم ابنه قرا هولاوو [¬] ثم ولده مباركشاه [¬] ثم أن القان بلغه أن قيدو بن تاشى بن كيوك
بن أوكداي بن جنكيز خان [¬] تسلطن لهذه المملكة، فخافه لكوت كيوك عمه، كان وارث التخت عن أبيه اوكداي، وأبوه اكداي كان وارثه عن أبيه جنكيز خان، فسير براق [¬] بن بسنطو ابن منكو كان بن جغطاي لدفع قيدو، فدفعه، وتعد مكانه)، ثم استقل براق ثم دوا [¬] ولد براق ثم أولاد دوا واحدا بعد واحد وهم كنجك [¬] ثم اسنيغا [¬] ثم كيك [¬] ثم الجكداي [¬] ثم دواتمس [¬] ثم ترماشيرين [¬] ﵀ ثم رجل ليس هو بابن دوا اسمه توزون [¬] بن أو باكان ابن (جنكيز خان) وتخلل من خلال هؤلاء من توثب على الملك، ولم ينتظم لهم حال (المخطوط ص) ولا علت لهم أعلام دولة.
وممن أراد الملك، وعلت كلمته، ولم يملك بيساوون ابن اركتمر بن بغاتمر بن براق، وبقى الملك بعد موت ترماشيرين ﵀ متخبطا، حتى قام هذا جنغصوا، فأما نسبه إلى جنكيز خان [¬] فهو جنغصو بن دراتمر بن طر بن براق بن بسنطو بن مكتوكان بن جغطاي بن جنكيز خان، (اسمه جداي وهو مصحح لما يقول عارف به) [¬].
وأما ملوك دشت القبجاق، فأول من ملك منهم باتو بن جوجى بن جنكيز خان ثم أخوه بركة.
ثم وجميع ملوك بني جنكيز خان يغلب عليهم الكرم، وتخويل من قصدهم، لا يرضى أحد منهم بالقليل، فأما القان الكبير منهم صاحب الخطا فتلك شيمته لا تسح إلا بالذهب ديمته، ليس هذا من واحد بعينه، بل كل من تسنم [¬] منهم ذروة ذلك التخت، كانت هذه سجاياه.
أما ما يحكى في القديم منهم عن منكوقان بن طولى ابن جنكيز خان، فيخشى حاكيه أن ينسب إلى الخرافة حديثه والمجاذفة في قوله.
حكى الشيخ الفاضل شمس الدين أبو العباس أحمد بن أبو المحاسن الغيبي
قال: حدثني عز الدين أبو البقاء الأردويلي، قال: سمعت بكرم القان منكوتمر، فقصدت حضرته متفرجا بتلك البلاد، ومتوصلا إليه، ولازمت بابه مدة، ومالي من يوصلني إليه، ولا إلى أحد من أرباب دولته، فبينما أنا ذات يوم هناك من جملة الناس طلبت على التخصيص، فحملت إلى رجل سريّ بباب منكوتمرقان [¬]، فأمر الترجمان ذلك الرجل فسألني عن اسمي وبلدي وحالي ومقدمي، فشرحت له أمري، فقال: أشرف القان فرآك فاستغربك، فأمر بالسؤال عنك، ونحن نعلمه، ثم ذهب الرجل (هنيهة)، ثم طلبني فأحضرت إلى بين يدي منكوتمرقان وهو في خف من الناس، وبقى يحدث ذلك الرجل، وهو يحدث الترجمان، ويسألني عن أشياء من أمور بلادي، وطريقي وما رأيت، ثم قال: القان يقول لك: ما جاء بك من بلادك البعيدة إلى هنا؟ وأي شيء معك من طرف البلاد تقدمه له؟ فقلت (المخطوط ص) له: ما جاء بي إلا ما سمعت من كرم القان، وليس معي شيء، ولو كان معي شيء ما فارقت أهلي ووطني وجئت، فلما أعادوا عليه كلامي، ضحك خفيا ثم أشار إليهم، أي أنه صدق، وأمر ليّ بشيء ما فهمته، فلما خرجت قال لي ذلك الرجل المخاطب لي: قد أمر لك القان بما يصل إليك، ثم قال لي: على أي جهة تعود إلى بلادك؟ قلت: له: في البحر إلى الحجاز لأحج ثم أعود إلى بلادي، فحمل لي إلى المركب هناك أمتعة، بعتها بعدن، ومكة بألف ألف درهم.
وحكى لي الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم قال: قصد رجل منكو تمرقان بزجاج من عمل حلب، ووصل إليه، وقدمه له، فشرب في بعض أوانيه، فأعجبه ما شف من جوهر الزجاج عن حمرة الشراب، فقال: هذا من أين؟ فقيل له: من حلب، فقال: يعطي له حلب، فقال بعض وزرائه، وإن حلب ليست
لنا قال: فيوقف هذا الرجل ويصب عليه الذهب حتى يغطيه، فقالوا له: نوقفه في خركاه ويصب عليه الذهب، فقال: أنتم غرضكم بهذا أن يموت ولا يكون من فضاء، فعملوا ما قاله، فجاء جملا كثيرة عظيمة، فجمعوها، وقالوا له: قد عملنا ما رسم القان، ولكننا نريد أن يقع نظر القان عليه قبل أن يأخذه فقال: هاتوه، فلما رآه قال: أنتم ما قصدكم إلا أني أبصر هذا فاستكثره، أعطوه هذا وقدره معه مرة أخرى فأعطوه.
وحكى أيضا أن فراشا كان يخدم تولي بن جنكيز خان أبا منكوتمر، ثم خدم منكوتمرقان بعده، ثم عدم، وتطلبه منكوتمر فلم يجده، فبينما هو يوما في الصيد رأى الفراش في بعض الجبال، وقد ساءت حاله، وطال شعره وظفره، فقال له: أين كنت؟ فقال: في هذه البرية، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: القسمة قال: لا قل لي الصحيح، فقال: هو ما أقول للسكان، فقال له منكوتمر: لا حملك على هذا إلا العشق، فأطرق، فقال له منكوتمر؛ فلمن أنت عاشق، فسكت، فعلم منكوتمر أنه عاشق في أحد من جهته، فقال له: كأنك عاشق فلانة (المخطوط ص) لا، إلا فلانة لا إلا فلانة، يعد عليه واحدة بعد واحدة من خواتينه وأتباعهن، وهو يقول: لا إلى أن ذكر واحدة من أجلّ حظاياه، فسكت الفراش، فقال منكوتمر: أنت عاشق في هذه بلا شك، ثم أنه طلبها، وقال لها: فلان له علي أبي حق وعليّ، وهو عاشق فيك، وماله في هذا ذنب، ولا لك هذا شيء يتعلق بقلبه، ما له فيه حيلة، وأريد أزوجك به، فبكت وقالت: ياقان بعدك أتزوج بهذا، فقال: سوف تبصرين ما أعمل، ثم أنه عمل طودا، وسأل الأمراء أن ينصب للفراش كرسيا فوقهم، وأجلسه فوق الجميع، فقالوا له: الأمر أمر القان، فنصب له كرسيا فوقهم، وأجلسه عليه، وزوجّه بتلك الحظية [¬]، وعمل له يرتا [¬] عظيما لا يصلح إلا
للتوامين [¬] الكبار، وأجراه مجرى واحد منهم.
قلت: ومن تأمل هذه الحكاية عرف سعة إحسان هذا الرجل وكرمه، فإنه أخذ غلاما لا يؤبه إليه، جعله ملكا، وسمح له بما لا يسمح بمثله من المال والجاه والمحبوب.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع