من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الفصل الأول في الكلام عليهم جمليا
(المخطوط ص)
جعلت هذا فصلا جامعا لذكرهم، قبل ذكرهم على التفصيل في ممالكهم، لأن هؤلاء منهم أربعة سلاطين بيد كل منهم مملكة عظيمة، استولوا بها على غالب المعمور من حدود الفرات إلى نهاية الشرق على الخط المستقيم المتصل بالسند [¬]، فالمسمى بالقان [¬] الكبير، وهو المتغلغل في الشرق، منهم، وهو القائم مقام جنكيز خان [¬]، والجالس على تخته [¬] وسيأتي ذكره إن شاء الله.
والثاني منهم، هو صاحب إيران بمجموعها، وهي التي كانت بيد الأكاسرة [¬]، والثالث منهم، هو صاحب القبجاق (والرابع منهم)، صاحب مملكة ما
وراء النهر، فانقسمت بينهم مملكة توران، وهي مملكة الترك القديمة، وبها كان افراسياب [¬] وأما صاحب إيران، فهو يفخر على الملكين؛ صاحب القبجاق وصاحب ما وراء النهر؛ بأن جده الأكبر هولاكو بن تولى [¬] ابن جنكيز خان، وهو جد القان الأكبر الآن.
والملكان [¬] الآخران يفخران بأن جنكيز خان لما قسم البلاد بين ابنيه، ملك جديهما [¬]، ولم يملك تولى ولا هولاكو ولده جد صاحب إيران، بل كان هولاكو ابن تولى مندوبا من جهة أخيه منكوكبكاخان [¬]، وارث الملك والتخت.
(حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم نور الدين الطياري (المخطوط ص) الكاتب البوسعيدي [¬] أنه كان أرسله لدفع
الإسماعيلية [¬] والأكراد [¬]، فلما أخذ بغداد [¬]، تمكن وعصا، واستقل بنفسه، والواضح الجلي ما سنذكره عن شيخنا الفرد نادرة الوجود أبي الثناء الأصفهاني [¬] إن شاء الله في ذلك).
وأمّا أصل جنكيزخان، جد هؤلاء الملوك في النسب، فنحن نذكر منتهى نسبهم إلى أن نأتي إلى جنكيزخان (متبعهم، ومشرع الباسته [¬] لهم)، ثم
تفرع نسب كل ملك من هؤلاء الأربعة، فنقول وبالله التوفيق، (قيل) أن جنكيزخان ينتهى (نسبه) إلى امرأة تسمى آلان قوا [¬] كانت متزوجة بزوج أولدها ولدين، اسم أحدهما بكتوت والآخر بلكوت، وأبناء هذين الولدين يسميان عند المغل [¬] الدرلكيه، ثم مات زوجها، وبقيت مرحلة بغير زوج، فحملت فأنكر عليها المحمل، وحملت إلي من له الحكم بينهم، لينظر في أمرها، فسألها ممّن حملت؟ فقالت: ما حملت من أحد، إلا أني كنت قاعدة وفرجي مكشوف، فنزل نور دخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور، لأن دخول ذلك النور كل مرة بولد ذكر، فأمهلوني حتى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور، فأعلموا مصداق قولي، وإلا فرأيكم فيّ، فولدت ثلاثة أولاد ذكورا من بطن واحد؛ بوقن فوناغي، وبوسن سالجى، وبوذنجر، وهؤلاء الثلاثة هم المسمون بالنورانيين نسبة إلى النور الذي ادعت أمهم أنه نزل في فرجها [¬]، ولهذا يقال عن جنكيزخان أنه ابن الشمس وبوذنجر عليه عمود النسب إلى جنكيزخان.
فنقول: إن هذا بوذنجر ابن الآن قوا أولد بغا وبغا أولد ذو توم منن، وذو توم منن
أولد قيدو، وقيدو أولد باي سنقر، وباي سنقر أولد تومنيه خان، وتومنيه خان أولد قبل خان، وقبل خان أولد تربان، وتربان أولد بيسوكي بهادر، وبيسكوي بهادر أولد جنكيزخان، جد هؤلاء الأربعة.
(المخطوط ص)
ونحن الآن نسرد نسبه منه إلى الآن، فواصل أن تفرع أنساب هؤلاء الأربعة منه، فنقول جنكيزخان بن بيسوكي بهادر ابن تريان بن قبل خان بن تومنيه خان بن باي سنقر بن قيدو ابن ذو توم منن بن بغابن بوذنجر بن الآن قوا، إلى هذه المرأة منتهى نسبهم [¬].
وهذه الحكاية في نسب جنكيزخان أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة، وإن صحت عن المرأة، فلعلها احتالت على سلامة نفسها من القتل، ولعلها سمعت قصة مريم الزكية، فتعلقت بحبل الشبهة، حتى أضلت أقواما بشبيه ذلك الحق، وزورت كذبا على مثل هذا الصدق.
قد يبعد الشيء من شيء يشابههإن السماء نظير الماء في الزرق
وها نحن نبدأ بذكر نبذة من ابتداء حال جنكيزخان وترقيه إلى أن ملك، ودانت له ملوك تلك الديار، وقبل الخوض في سياقة انتساب هؤلاء الملوك واتصالهم
به، فنقول: حكى الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني [¬] (أنه كان ملك الجويني) [¬]، أنه كان ملك عظيم في قبيلة عظيمة يدعى أونك خان [¬]، وكان مطاعا في قبيلته [¬] ينقاد إليه عظماء رعيته، فتردد إليه جنكيزخان في حال صباه، وقربه وأدناه، وتوسم فيه النجابة والرياسة، فزاد في ارتقائه على أقربائه، وأعلاه على من سواه، حتى نشأ بينهما الاتحاد، وانتسج الوداد، فشبت نار الحسد في أقرباء ذلك السلطان، ونفخ في روعهم مخيل الشيطان. أن وضعوا لجنكيزخان المراصد والمصائد، ودفنوا له الأوابد والمكائد، وأعملوا الفكر في قطع حبل انفصال عنه، ووضع موجبات قتله واتصال منه، فلما بالغوا في الوقيعة، وأسرفوا في الغيبة والشنيعة، تغير أونك خان، على جنكيزخان تغيرا لم يظهره، وأسر كدرا لم ينقره، وجمع فكرا في ذنب يأخذه به، أو ينتحله، أو جرم يتقوله واستشار فيه أصحابه، وجعل التوقع لذلك دأبه، فاتفق أن سخط أونك خان على صبيين [¬] (المخطوط ص) من مماليكه، فخافاه والتجأ إلى حوزة،
جنكيزخان [¬]، واستجارا به، فأحسن إليهما، وحنا عليهما، ووعدهما بإزالة كدر السلطان، وتلاقى ما كان، فأنطقهما لسان الإحسان بهذه:
«إذا التزم المقدار جبل سعادةأتاك جميع الكائنات مساعدا
«وإذا جري القضاء على صعب سهّلهوإذا أرادك الله لأمر همّاك له»
وقالا له: إن السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الأجن الشنيعة، فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرا، فلم يجدوا له أثرا، ولا عرفوا له خبرا، ونفر العسكر يتلوه، فلم يلقوه، وقيل بل لحقوه، فعطف بجماعته إليهم، وقاتلهم حتى أتى عليهم، وغنم مالهم، فلما جمع أتباعه وأقاربه، وأعز مقامه، وحمى جانبه، وربّ رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه دنيك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الراس، ويسمى كلا منهما ترخانا [¬]، وكتب له أمانا وفرمانا [¬] بفراغه من جميع المؤن والكلف، وتفرغه لانتهاز الفرص، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، ويسلب قبل كل سالب، ويدخل على يده عامة البيوت فلا
يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة ولو تكررت ذنوبه، واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما، وآحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن [¬] من أولادهما، ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم، ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك.
ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان، وباعده، واتصل به، وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبث فيهم الإعزاز والإكرام، حتى تتالوا إليه أفواجا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجا، وأولادهم الآن أقرب الأخصين، وأخص الأقربين، فقوى بذلك أمره وإمارته، واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القواد، فانقادت، واستلان القلوب (المخطوط ص) فلانت أو كادت، فحينئذ جرد عسكرا كثيفا، وتبعا لفيفا لمحاربة السلطان أونك خان، وأمده بآخر يتلوه، فنازلته العساكر الجنكيزية، فقتل في أقرب أمد، وملك جنكيزخان ما كان له من عدة وعدد.
ثم بعث جنكيزخان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة [¬]، بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد.
وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته، الداخلة في إيالته، القانعة برئاسته وباسته [¬] قبيلتان، بالغتان في العدد، نهايتان في الاستعداد والعدد، إحداهما تدعى أويرات [¬]،
والأخرى قنقورات [¬] وأما القبيلة التي هي في خدمه، ومنها عظمه تسمى قيات [¬] وهي أكثر القبائل شهرة، وأتمها كثرة، وكان اسمه القديم تموجين [¬] فلما تؤخذ أمره، وعلا قدره، سمى جنكيز خان [¬].
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع