من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو جعفر الطبري
محمد بن جرير بن يزيد (ص) بن كثير الإمام العلم الفرد صاحب التصانيف، فلا لمخر البيداء، ولحر يهب ظلم الليلة السوداء، بل ركب جنح غمامها المربدّ، وقبل ثغر برقها المبيض، عارضه المسود، وقذف في فائض بحره سفنه، ومدّ مع عارض فجره سنه، وألقى حبل حوزائه على
غاربه، وحدا ظعن ظلماته إلى مغاربه، وأقبل يشق الأرض شقا، ويمشق حروف المطي في سطر المهمه الممتد مشقا، لا يدع سهلا حتى يطوي ذيل نمرقه، ولا جبلا حتى يغصه فوق مفرقه، ولا بحرا إلا قطعه، ولا ألا إلا قطّعه، إلى أن لقي بغيته وأحرزها، ومطلبه وحصل جواهره وكنزها، لكنها علوم نافعة، وغيوم ناقعة، وحديث نبوي جمع أطرافه، وضم أطرافه، حتى صنف التفسير الذي صدقت فيه الأحلام وسبقت لتلقيه الأقلام، أنقذ به من الضلالات، وأخرج إلى نور المعرفة من ظلم الجهالات، وأقام به الحق بأوضح الدلالات بفرط اجتهاد شق به الصديعين، وشد رحلة الشتاء والصيف والربيعين، ولم ير هلال شهر ثم عرف متى انمحق، ولا كيف اتصل بالعدم والتحق، لشواغله بالطلب الذي لا ينتهي والأرب الذي بغيره لا يلتهي، والفضل
المكتسب الذي لو قال له: ما مناك في الدنيا؟ لقال: أنت هي. ولا كان تخاط جفنة بغرار ولا يحاط قلبه بقرار، ولا يزال يهمه رجل يلقاه، وعلم لا يضره أنه يحصله، ويموت إذا أبقاه.
قال أبو بكر الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وجمع العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن (ص) عالما بالسنن وطرقها، سقيمها وصحيحها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرا بأيام الناس وأخبارهم، له الكتاب المشهور الكبير في تاريخ الأمم، وله كتاب التفسير الذي لم يصنف مثله، وله كتاب تهذيب الآثار لم أر مثله في معناه ولم يتمه، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، وله اختيار من أقاويل الفقهاء، وقد تفرد بمسائل حفظت عنه، قيل: إن المكتفي أراد أن يقف وقفا يجتمع عليه أقاويل العلماء، قال: فأحضر له ابن
جرير، فأملى عليهم كتابا لذلك، فأخرجت له جائزة، فلم يقبلها، فقيل له: فلا بد من قضاء حاجة، قال: أسأل أمير المؤمنين أن يأمر بجمع السائلين من الفقراء يوم الجمعة - يعني في المساجد - ففعل ذلك.
وكذا التمس منه الوزير أن يعمل له كتابا في الفقه، فلما ألّفه، وجه إليه ألف دينار، فردها.
وقيل: مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة.
وقال تلميذه أبو محمد الفرغاني: حسب تلامذة أبي جعفر منذ احتلم إلى أن مات، فقسموا على المدة مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة.
وقال أبو حامد الإسفراييني: لو سافر رجل إلى الصين في تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا.
وقال أبو بكر بن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.
وقال الفرغاني: كان ابن جرير لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظم ما يؤذى، فأما أهل الدين، والعلم فغير منكرين عمله، وزهده، ورفضه للدنيا، وقناعته بما يجيئه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان.
وقال عبيد الله بن أحمد السمسار: قال ابن جرير - يوما - لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم. قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة (ص) قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة.
ولما أراد أن يملي التفسير، قال لهم كذلك، ثم أملاه على نحو من التاريخ.
وقال الفرغاني: بث ابن جرير مذهب الشافعي ببغداد سنين، واقتدى به، ثم اتسع علمه، وأداه اجتهاده إلى ما اختار في كتبه، وعرض عليه القضاء، فأبى.
وقال ابن جرير: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى يقتل.
توفي عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن بداره برحبة يعقوب. [وشيعه إلى المسجد، ثم إلى القبر خلق لا يحصرون، وصلى على قبره عدة شهور، ورثاه أهل الأدب والدين]، وكان السواد فيه كثيرا، ولم يغير شيبه، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم فصيحا.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع