من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الله بن أبي داود - سليمان بن الأشعث - الأزدي السجستاني
(ص) أبو بكر العلامة قدوة المحدثين صاحب التصانيف والمقتدر على حسن التصريف، رحل رحلة بعدت أطرافا، وعقدت على مشرق الشمس ومغربها طرافا وعمدت إلى الأرض من جانبيها تحاول عليها إشرافا، وتقاول على طرفيها إسرافا، ثم قال في بلد دار الخلافة، وقال: ولا مخافة، وأملى وما أمل، وقال ما لا قلّ، وجلب طريف الحديث إلى تلك السوق، وطفق يحث الركاب مسحا بالأعناق والسوق، وحل ببغداد، وأشامها، وقال: لا مسك الأين والتعب بعدها يا نوق.
ولد بإقليم سجستان، سنة ثلاثين ومائتين وسمع سنة أربعين باعتناء أبيه ولذكائه بخراسان والعراق، والحرمين ومصر والشام، وغير ذلك، وبرع وساد
الأقران، وحدث عنه خلق كثير.
قال الخطيب: رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقا وغربا يسمع ويكتب، واستوطن بغداد وصنف المسند والسنن والتفسير والقراءات، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، وكان فقيها عالما حافظا.
قال عبد الله بن أبي داود: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مد باقلا، فكنت آكل منه وأكتب عن الأشج، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثة آلاف حديث ما بين مقطوع ومرسل.
قال أبو بكر بن شاذان: قدم ابن أبي داود أصبهان - وفي نسخة سجستان - فسألوه أن يحدثهم، فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود، وأصل؟! قال:
فأثاروني، فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى إلى سجستان ولعب بهم، ثم فيجوا فيجا اكتروه بستة
دنانير إلى سجستان ليكتب لهم النسخة، فكتبت وجيء بها وعرضت (ص) على الحفاظ، فخطئوني في ستة أحاديث ثلاثة منها حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أخطأت فيها.
وقال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: ألزموني فحدثت من حفظي بأصفهان بستة وثلاثين ألفا، الوهم منها في سبعة أحاديث، فلما انصرفت وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به.
وقال الحافظ أبو بكر الخلال: كان ابن أبي داود أحفظ من أبيه.
وقال صالح بن أحمد الهمذاني الحافظ: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق ونصب له السلطان المنبر، وكان في وقته في العراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو.
وقال ابن شاهين: أملى علينا ابن أبي داود، وما رأيت بيده كتابا إنما كان
يملي حفظا، وكان يعقد على المنبر بعد ما عمي، ويقعد دونه بدرجة ابنه بيده كتاب، فيقول له: حديث كذا فيسرده من حفظه، حتى يأتي على المجلس. قرأ علينا يوما حديث القنوت من حفظه، فقام أبو تمام الزينبي، وقال: لله درك ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي، فقال: كل ما كان يحفظ إبراهيم الحربي، فأنا أحفظه، وأنا أحفظ النجوم وما كان يعرفها.
وكان أبو بكر مع سعة علمه قوي النفس مدلا.
حكى أبو حفص بن شاهين أن علي بن عيسى الوزير أراد أن يصلح بين ابن أبي صالح وبين ابن أبي داود، فجمعهما، وحضر أبو عمر
القاضي، فقال الوزير: يا أبا بكر، أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه، قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف، قال: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ، فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله؟ قال: هذا، ثم قام، وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل رزقي، وأنه يصل على يدك؟ والله لا أخذت من يدك (ص) شيئا.
قال: وكان المقتدر يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم، وكان قد روى شيئا من قول النواصب، فأخطأ بنقله، فشنع عليه أنه نال من علي ﵁ فسعي في قتله، فخلصه من القتل عبد الله بن حفص الذكواني، ونقله ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن
عيسى، فحدث، وأظهر فضائل علي، ثم تحنبل، فصار شيخا فيهم.
قال محمد بن عبيد الله بن الشخير: كان ابن أبي داود زاهدا ناسكا، صلى عليه يوم مات نحو من ثلاثمائة ألف إنسان، وأكثر، ومات في ذي الحجة سنة ست عشرة، وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة، وصلي عليه ثمانون مرة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع