من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي أبو محمد
شيخ الإسلام، سنىّ لتميم طريق الفخار، وسنّ لها عدم الفرار، وزاد كرم أسرتها المفضلة، وأعذب مشارعها، فحلى مر، ولم يعد الحلاوة حنظلة،
ولدت منه تميميا لا ينبو منه سيغها، ولا يجفو حلم الزابن طيفها، كفاك به، وحبك رجلا، ملأ قلوبا، وجلا، طاف البلاد، وجاء بالحديث عجلا وطاب مجناه كأنما قطف نواره بكرا، وقاله مرتجلا.
ولد سنة أربعين ومائتين، وارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية، وسمع بالأقاليم خلائق لكنه لم يرحل إلى خراسان.
قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم، ومعرفة الرجال، صنف في الفقه، واختلاف الصحابة والتابعين، وكان زاهدا يعد من الأبدال، وكتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ (ص)، وكتابه في التفسير عدة مجلدات، وله مصنف
كبير في الرد على الجهمية يدل على إمامته.
قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيت أحدا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. ويروى أن أباه كان يعجب من تعبد عبد الرحمن، ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن لا أعرف له ذنبا.
وقال علي بن إبراهيم الرازي الخطيب: كان عبد الرحمن قد كساه الله بهاء ونورا يسرّ به من نظر إليه.
سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين، وما احتلمت بعد، فلما بلغنا ذا الحليفة احتلمت، فسر أبي حيث أدركت حجة الإسلام.
وقال ابن أبي حاتم: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نشرب فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ، ونقابل، فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو
عليل، فرأينا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت تتغير، فأكلناها نية، ولم نتفرغ نشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.
وقال ابن أبي حاتم: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقاء لي حبوبا من أصبهان، فبعته بعشرين ألفا، وقال: اشتر لي بها دارا، فأنفقتها على الفقراء، وكتبت إليه: اشتريت لك بها قصرا في الجنة، فقال: رضيت إن ضمنت.
فكتبت على نفسي صكا بالضمان، فأريت في المنام: قد قبلنا ضمانك، ولا تعد لمثل هذا.
وقال محمد بن مهرويه: سمعت ابن الجنيد يقول: سمعت يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة.
قال محمد بن مهرويه: فدخلت على ابن أبي حاتم، وهو يحدث بكتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا، فبكى، وارتعدت (ص) يداه، وسقط الكتاب، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية.
توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع