تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو الحسن الدارقطني

واسمه: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ المشهور.

والحامل راية الرواية إلى يوم النشور، الدارقطني، ولا قطن إلا ما رآه بياضا من نور شيب الإسلام، أو نشره من صحيفته البيضاء بأيدي الملائكة الكرام، أو طهربه

قلبه الأبيض المطهر (ص) من دنس الآثام، أو بدا من عرضه النقي في غرر الأيام، أو غسل به من جبال فيها من برد، أو ندفه من قطن الثلج قوس الغمام، ابن مهدي الذي ما عدل عن آثار مهديه، ولا عدا طريقة سلف له من أهل العلم، ويهاب كل منهم على انفراده، ويخضع له في نديه.

كان عالما حافظا فقيها على مذهب الشافعي، أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري، وقيل: بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءة عرضا، وسماعا عن النقاش، ومن في طبقته، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد، وكان عارفا باختلاف الفقهاء، ويحفظ كثيرا من دواوين العرب منها: ديوان السيد الحميري، فنسب إلى التشيع لذلك، روى عنه الحافظ أبو

نعيم وجماعة كثيرة، وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعين وثلاثمائة، فندم على ذلك، وقال: كان يقبل قولي على رسول الله ﷺ بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر.

وصنف كتاب السنن، والمختلف والمؤتلف، وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصدا أبا الفضل جعفر بن الفضل، وزير كافور الإخشيدي ليساعده على تأليف مسند عزم عليه الوزير، فأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئا، وحصل له بسببه مال جزيل ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني بن سعيد على تخريجه إلى أن نجز.

قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة:

علي بن المديني في وقته

وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته (ص).

وسأل الدارقطني - يوما - بعض أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه، فامتنع من جوابه. وقال: قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ.﴾ فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ فلا.

وقال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم، والورع، وإماما في القراء، والنحويين، وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا، فصادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ وله مصنفات يطول شرحها فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله.

وقال الخطيب: انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم كالقراءات فإن له فيها مصنفا سبق إلى عقد الأبواب قبل فرش الحروف، وتأسى القراء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء، بلغني أنه درس الفقه على أبي سعيد الإصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: كان يحفظ دواوين جماعة.

قال: وحدثني الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته

مجلس إسماعيل الصفار، فقعد ينسخ، والصفار يملي، فقال رجل: لا يصح سماعك وأنت تنسخ فقال: فهمي خلاف فهمك، أتحفظ كم أملى الشيخ؟ قال: لا أدري، قال، أملى ثمانية عشر حديثا، الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ومر في ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه .. أو كما قال.

وقال أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث.

وجاء أبو الحسين البيضاوي إلى الدارقطني برجل غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث فأملى عليه من حفظه مجلسا تزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها "نعم الشيء الهدية أمام الحاجة " فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد وقد أهدى له شيئا، فقربه وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثا

متونها "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"

مولده في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة، وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة - وقيل ذي الحجة - سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ببغداد.

وصلى عليه أبو حامد الإسفراييني الفقيه، ودفن قريبا من معروف الكرخي.

قال أبو نصر ابن ماكولا: رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذلك يدعى في الجنة الإمام.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.