تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو بكر بن الجعابي

واسمه: محمد بن عمر بن محمد بن سلم التميمي البغدادي قاضي الموصل، الحافظ فريد الزمان، ولسان الإحسان وإن مان من مان، رمي بأنه كان يتشيع، ومضى إلى الله واتبع لهذا القول يتتبع، جرح وهو لا يتكعكع، وطعن فيه وهو لا يتضعضع، وتكلم فيه الناس، ومن هو الذي من أيديهم سلم! أو بمضارب ألسنتهم الحداد ما ثلم، من رام منهم السلامة طلب شططا، وظن غلطا، وضل (وكان أمره فرطا) هيهات، هل هم إلا نار تأكل بعضها بعضا، وفأر تأكل نابا بناب قرضا، وقالوا: رافضي. أكلّ من أحب آل بيت محمد سموه بهذا، وسموا حبه رفضا؟! سمع، وصنف الأبواب والشيوخ، والتاريخ،

وحدث عنه الدارقطني، وابن شاهين، وابن رزقويه، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو نعيم الحافظ - وهو خاتمة أصحابه - وخلق.

قال أبو علي النيسابوري: ما رأيت في أصحابنا أحفظ من أبي بكر الجعابي، وذلك أني حسبته من البغداديين الذين يحفظون شيخا واحدا، وترجمة واحدة، أو بابا واحدا، فقال لي أبو إسحاق بن حمزة يوما: يا أبا علي لا تغلط، ابن الجعابي يحفظ حديثا كثيرا، قال: فخرجنا يوما من عند ابن صاعد، فقلت له: يا أبا بكر إيش أسند الثوري عن منصور، فمر بي في الترجمة، فما زلت أجره من مصر إلى حديث الشام إلى العراق، وإلى أفراد الخراسانيين، وهو يجيب إلى أن قلت: فإيش

روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وأبي سعيد بالشركة، فذكر بضعة عشر حديثا، فحيرني حفظه.

وقال ابن الجعابي: دخلت الرقة وكان لي ثمّ قمطرين كتب، فجاء غلامي مغموما، وقال: ضاعت الكتب، فقلت: يا بني لا تغتم (ص) فإن فيها مائتي ألف حديث لا يشكل علي منها [حديث] لا إسناده ولا متنه.

وقال أبو علي التنوخي: ما شاهدنا أحدا أحفظ من أبي بكر ابن الجعابي، وسمعت من يقول: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ويجيب في مثلها، وكان يفضل الحفاظ بأنه كان يسوق المتون بألفاظها، وأكثر الحفاظ يتسمحون في ذلك، وكان إماما في معرفة العلل، وثقات الرجال، وتواريخهم، وما يطعن على الواحد منهم، لم يبق في زمانه من يتقدمه.

وروى الخطيب بسنده عن الجعابي قال: أحفظ أربع مائة ألف حديث، وأذاكر بستمائة ألف حديث.

[وقال الخطيب: سمعت ابن رزقويه يقول: كان ابن الجعابي يمتلئ مجلسه، وتمتلئ السكة التي يملي فيها، والطريق، ويحضر ابن المظفر، والدارقطني، ويملي الأحاديث بطرقها من حفظه.].

وروى عن رجاله أن الجعابي كان يشرب في مجلس ابن العميد.

وقال السلمي: سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط، وذكر مذهبه في التشيع.

قال الدارقطني: وحدثني ثقة أنه خلي ابن الجعابي نائما، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء.

قال الأزهري: لما مات ابن الجعابي أوصى أن تحرق كتبه، فأحرقت، فكان فيها كتب الناس، فحدثني أبو الحسين ابن البواب: أنه كان له عنده مائة وخمسون جزءا، فذهبت في جملة ما احترق.

وقال محمد بن عبيد الله المسبحي: كان ابن الجعابي قد صحب قوما من المتكلمين، فسقط عند كثير من المحدثين، وأمر عند موته أن تحرق دفاتره بالنار، فاستقبح ذلك منه.

وكان وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه فشردوه، فخرج هاربا.

قال ابن شاهين: دخلت أنا وابن المظفر والدارقطني على ابن الجعابي وهو مريض، فقلت له: من أنا؟ قال: سبحان الله، ألستم فلانا وفلانا، وسمانا، فدعونا وخرجنا (ص).

فمشينا خطوات وسمعنا الصائح بموته، ورجعنا من الغد، فرأينا كتبه تل رماد.

توفي ابن الجعابي ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.

قال الأزهري: كانت سكينة نائحة الرافضة تنوح في جنازته، ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.