من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري، عرف بابن الصلاح
تقي الدين الفقيه الحافظ شيخ الشافعية، رجل يرجع إلى فتاويه، ويمنع كبرياؤه من يناويه، دوّنت فتاويه وأشير إليها، وأدير زمانا العمل عليها، وكان لقنا بالحديث وأجوبته، ويفاضل ما بين رجاله وأسولته، أذهب في هذا صدر شبيبته، ولقي الخصم لا يبالي بصدم كتيبته ووطي حجج/ (ص) أهل المنازعة بكلكله، ورمى شمس أرباب المقاذعة بأنكله، وكان لا يعاين
بترخيص في دين، ولا تنقيص إلا لمعتدين، لكنه كان يسرّ على ابن عبد السلام دقائق الضغناء، ويشحن له باطنه بحقائق الشحناء، ويعين عليه غير أهل مذهبه، ولا يخليه من حريق لهبه، ويغري به الملك الأشرف شاه، إن من موسني على ألسنة حاشيته، ويسري إليه المكايد في ليل ناشيته، ويسلط عليه قوارض الدياب، ويرمي على جسمه قوارض الذباب، إلى أن امتلأ صدر الملك الأشرف عليه حنقا، وابتدأ لا يبل عليه لغليله حرقا، لمكانة كانت لابن الصلاح ولأهل عصبيته من خاطره، ولانحراف منه على ابن عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف، مما أرج به ذكر ابن عبد السلام، وعرج إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام، والسكوت أولى من نبش ما كان كامنا بين أئمة الإسلام، وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكان له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدّدة، قرأ الفقه على والده، وكان من جلة المشايخ الأكراد، المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل فاشتغل بها مدة ثم سافر إلى خراسان، وأقام بها مدة،
وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى تدريس المدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وأقام مدة وأشغل الناس وانتفعوا به، ثم عاد إلى دمشق فولي تدريس الرّداحيه، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشامية التي داخل/ (ص) دمشق، وقام بالوظائف الثلاث من غير إخلال بشيء إلا لعذر شرعيّ، وكان من العلم والدين على قدم حسنة، وله مصنفات مفيدة وإشكالات على الوسيط، وجمعت فتاويه في مجلّد ولم يزل أمره جاريا على سداد وصلاح حال، واجتهاد في الاشتغال والنفع، إلى أن توفي يوم الأربعاء، وقت الصبح، وصلّي عليه بعد الظهر وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الصوفية، ومولده سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع