من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عافية بن يزيد بن قيس بن عافية بن شداد بن ثمامة بن سلمة بن كعب بن أود، الأودي، الكوفي
(¬*)
أحد من تفقّه بحضرة الإمام أبي حنيفة، ودوّن المسائل وأثبتها، وغرس
الفضائل وأنبتها، سالت به أودية أود، وشرفت العرب بدءا على عود، سامت مجاراته السحب فقصر عنان الجود، وطاولت مجده الرعان فعلم قصر الطود، وظنّت مماثلة كلمه الدرر فعلقت في ترائب الخود، أدنى فضائله كافية، وأقصى فواضله أنه كان عافية.
ذكره أبو بكر الخطيب، وأسند عنه حديثا واحدا، وقال: ولاه أمير المؤمنين المهدي القضاء ببغداد في الجانب الشرقي.
وقال علي بن محمد بن كاس بإسناده: كان أصحاب أبي حنيفة الذين يذاكرونه: أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، وعافية بن يزيد الأودي، والقاسم بن معن، وعلي بن مسهر، ومندل وحبان أبناء علي، وكانوا يخوضون في المسألة فإن لم يحضر عافية قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية، فإذا حضر عافية فإن وافقهم قال أبو حنيفة: أثبتوها، وإن لم يوافقهم، قال: لا تثبتوا.
قال علي بن الجعد: رأيت محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد الأودي، وقد شرك المهدي بينهما في القضاء يقضيان جميعا في المسجد الجامع، هذا في أدناه، وهذا في أقصاه، وكان عافية أكثرهما دخولا على المهدي.
وقال إسماعيل بن إسحاق: كان عافية بن يزيد يتقلد القضاء للمهدي، وكان عالما، زاهدا، فصار إلى المهدي في يوم من الأيام، واستأذن عليه واستعفاه من القضاء، فسأله عن سبب استعفائه، فقال: كان قد تقدم إليّ خصمان موسران،
وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة مشكلة، وكان يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبت، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا، أو يعنّ لي وجه فصل بينهما، قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أوقات الرطب، إلى أن جمع رطبا سكرا لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة من الدراهم على أن يدخل الطبق إليّ، ولا يبالي أن يرد، فلما دخل إلى أنكرت ذلك، وطردت بوابي، وأمرت بردّ الطبق، فردّ. فلما كان اليوم تقدّم إليّ مع خصمه، فما تساويا في عيني، ولا في قلبي، وهذا - يا أمير المؤمنين - ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟. ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني فأهلك، وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله، واعفني، فأعفاه.
وقال الأصمعي: كنت يوما عند الرشيد، فرفع إليه في قاض كان استقضاه، يقال له عافية بن يزيد الأودي، فأمر بإحضاره، فأحضر، وكان في المجلس خلق كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه، ويوقفه على ما رفع إليه، فعطس أمير المؤمنين فشمّته بالحضرة ممن قرب منه سواه، فإنه لم يشمّته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟. فقال عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمّتك. هذا النبي ﵁ عطس عنده رجلان فشمّت أحدهما، ولم يشمّت الآخر. فقال: يا رسول الله ما بالك شمّتّ هذا ولم تشمّتني؟. قال: لأن هذا حمد الله فشمّتناه، وأنت لم تحمد الله، فلم أشمّتك.
فقال له الرشيد: ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح في عطسة، تسامح في غيرها؟؟. وصرفه منصرما جميلا، وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع