من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن، أبو مطيع القاضي، القرشي، مولاهم، البلخي، الفقيه
(¬*)
أحد أصحاب أبي حنيفة، وأحد من تفقّه عليه، رجل في الدين لا تلين له
حصوة، ولا تجئ البحار من علمه حثوة، أشدّ على الشيطان من ألف عابد، وأمد إلى ما يزع السلطان من كل ساعد، لا يخشع للسيوف تحملها العواتق، ولا للسيول ليس تمنعها العوائق، بجرأة ليست بهوج، وطريقة ليس فيها عوج.
تفقّه به الفقهاء الخراسانيون من أصحاب أبي حنيفة، وولي قضاء بلخ، وكان بصيرا بالرأي.
وكان عبد الله بن المبارك يعظّمه.
حدّث عن الإمام أبي حنيفة، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وغيرهم.
وروى عنه طائفة، وولي القضاء ست عشرة سنة، وكان يخضب بالحناء.
قال عبد الله بن المبارك: أبو مطيع له المنة على جميع أهل الدنيا.
وقال مالك بن أنس لرجل: من أين أنت؟. قال: من بلخ. قال: قاضيكم قام مقام الأنبياء.
قال محمد بن الفضيل البلخي: سمعت عبد الله بن محمد العابد يقول:
جاء كتاب في كل مدينة يقرأ على المنابر، وفيه مكتوب: ﴿وَآتَيْناهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.. وكان الخليفة ولّى العهد صبيا، قال: فلما جاء الكتاب بلخ ليقرأ، سمع أبو مطيع فقام فزعا، ودخل على والي بلخ، قال له: بلغ من خطر
الدنيا أننا نكفر بسببها؟. وكرر مرارا حتى أبكى الأمير، فقال الأمير لأبي مطيع:
إني معك، وإنني عامل لا أجترئ بالكلام، ولكن كن مني آمنا، وقل ما شئت.
وكان أبو مطيع يومئذ قاضيا. فلما أذّن ارتقى أبو مطيع المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلّى على النبي ﵌، وأخذ بلحيته فبكى، قال:
يا معاشر المسلمين، بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى الكفر من قال: ﴿وَآتَيْناهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. غير يحيى بن زكريا فهو كافر. قال: فرجّ المسجد بالبكاء، وقام الذي أرسل مع الكتاب وهرب.
وذكر في المحيط والبدائع: أن ابنة لأبي مطيع البلخي صارت جدّة في تسع عشرة سنة، فقال أبو مطيع: فضحتنا هذه الجارية، وصورته: أنه حملت لتسع سنين، وولدت لستة أشهر، فحملت هذه البنت لتسع سنين ووضعت لستة أشهر، فذلك تسع عشرة سنة.
ومما وقع من مثل هذا ما رواه الدارقطني أن عبّاد بن عباد المهلبي قال: أدركت فينا - يعني المهالبة - امرأة صارت جدة، وهي بنت تسع عشرة سنة.
ومات أبو مطيع البلخي ببلخ في جمادى الأولى، سنة تسع وتسعين ومائة.
وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع