من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
خلف بن أيوب، أبو سعيد، الفقيه، العامري، البلخي
(¬*)
الزاهد، أحد المشاهير الأعلام المتقدمين، رجل ما أدار على مثله النجم مقلته، ولا أقلّ الوهم عن طريقه نقلته، أنعم منه بخلف صالح، وسلف مضى وقد أضاء في وجه الزمان الكالح.
معلّم الطريقة، ومعلم لإعلان الشريعة وأسرار الحقيقة، أشبه إمامه أبا حنيفة في مناقبه، وخلفه وكلاهما خلف من فقد صاحبه.
تفقّه على أبي يوسف، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم، وصحبه مدة، وسمع الحديث من جماعة، وروى له الترمذي في كتابه، وكان مفتي أهل بلخ، وزاهدهم، وعابدهم.
قال أبو عمرو محمد بن علي الزاهد: سمعت مشايخنا يذكرون أن السبب لثبات ملك آل سامان أن أسد بن نوح جد الأمير إسماعيل خرج إلى المعتصم، وكان أسد رجلا بهيا، حسن المنظر، شجاعا، عالما، فصيحا، عاقلا، فتعجبوا من حسنه وجماله، وشجاعته، وعقله، فقال له المعتصم: هل في أهل بيتك أشجع منك؟.
قال: لا.
قال: فهل فيهم أعقل منك؟.
قال: لا. قال: فلم يعجب الخليفة ذلك منه. فدخل عليه بعد ذلك فأجابه بمثل ذلك، فلم يعجبه، فقال للمعتصم: هلا قلت: ولم ذلك؟. فقال له: ولم ذلك؟. قال: لأنه ليس في أهل بيتي أحد وطئ بساط الخليفة وشاهد طلعته غيري. فأنا أفضلهم إذا، فاستحسن المعتصم منه ذلك، وتمكّن موقعه لديه، وولاه بلخ، فلما وردها تولّى الخطبة بنفسه، ثم إنه سأل عن علماء بلخ، فذكر له خلف ابن أيوب، ووصفوا له زهده وعلمه، وتجنبه السلطان، فاشتهى أسد بن نوح لقاءه، فترقّب مجيئه الجمعة، فلما رآه أسد بن نوح ترجّل وقصده، فلما رآه خلف قد قصده قعد مكانه، وغطى وجهه بردائه، فقال: السّلام عليكم، فأجابه جوابا خفيا، فسلّم المرة الثانية، فأجاب، ولم يرفع رأسه، فرفع أسد بن نوح رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا، ونحن نحبه فيك، ثم
ركب ومرّ، فأخبر بعد ذلك أن خلف بن أيوب مرض فذهب إليه يعوده، فقال:
هل لك من حاجة؟. قال: نعم: حاجتي أن لا تعود إلى، قال: وهل غير ذلك؟.
قال: إن مت فلا تصلّ علي، وعليك السواد. فلما أن توفي خلف بن أيوب شهد أسد بن نوح جنازته راجلا، فلما بلغ المصلّى نزع السواد وتقدّم فصلّى عليه، فسمع صوتا: بتواضعك وإجلالك لخلف بن أيوب ثبتت الدولة في عقبك، فلا تنقطع أبدا.
ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور.
وقد ذكر هذه الحكاية أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم. ثم قال: وفي رواية أخرى أن أسد بن نوح رأى النبي ﷺ في المنام كأنه يقول له: يا أسد بن نوح ثبّت الله ملكك وملك بنيك بإجلالك لخلف بن أيوب. وهذه زيادة على ما رواه الحاكم.
وقد ذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي: أن وفادة أسد بن نوح كانت على المأمون، والله أعلم.
قال الحاكم في تاريخ نيسابور: توفي خلف بن أيوب في شهر رمضان سنة خمس عشرة ومائتين.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع