من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن شجاع الثلجي، البغدادي، أبو عبد الله
(¬*)
أحد الفقهاء الأعلام في وقته بالعراق، برز على نظرائه، وأحرز الفضل كله
برأيه، وكان خلفا من أبي حنيفة وصاحبيه، وبدلا منهم لمن نظر إليه، ضاهى أشعة الشمس نوؤه الثلجي، وصدع ضوؤه حندس السحاب الدجوجي، وأعاد عصره الزمان كلّه يوما أبيض، والنهار نهرا به، وضر الظلام يرحض، والدهر لسانا بالنصيحة يمحض، والسحاب وطابا إذا تطاير نوؤه الثلجي يمحض.
مولده في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي، وتفقّه عليه أبو الحسن القمي، وصنف التصانيف المعتمدة، وحكيت أقواله في الكتب، وكان فقيها، ورعا، ثابتا على رأيه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة واحتج له، وأظهر علله، وقوّاه بالحديث، وجلاه في الصدر، وكان يرى رأي أهل العدل والتوحيد.
وقال محمد بن شجاع: قال لي إسحاق بن إبراهيم المصعبي: دعاني أمير المؤمنين فقال: اختر لي رجلا قد كتب الحديث، وتفقّه به مع الرأي، وليكن مديد القامة، جميل الخلقة، خراساني الأصل، ممن نشأ في دولتنا حتى أقلّده القضاء.
فقلت: لا أعرف رجلا هذه صفته غير محمد بن شجاع. وأنا أفاوضه في ذلك. قال: فافعل، ثم صر به إليّ. فدونك يا أبا عبد الله. فقلت: أيها الأمير
لست إلى ذلك محتاجا، وإنما يصلح القضاء لأحد ثلاثة: لمن يكتسب مالا أو جاها، أو ذكرا. فأما أنا فمالي وافر، وأنا غني، وإن الأمير ليوجه إليّ بالمال لأفرّقه، ولو احتجت إلى شيء منه لأخذته. وأما الذكر: فقد سبق لي عند من يقصدنا من أهل العلم والفقه بما فيه كفاية. وقيل: إن المتوكل همّ بتوليته القضاء، فقيل له: إنه من أصحاب بشر المريسي. فامتنع عن توليته.
قال الصيمري: محمد بن شجاع هو المقدّم في الفقه والحديث، وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة. وقال محمد بن شجاع: ادفنوني في هذا البيت؛ فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن.
توفي فجأة سادس ذي الحجة، سنة ست وستين ومائتين، وهو في صلاة العصر ساجدا. وقيل: سنة سبع.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع