من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي
(¬*)
تبلّج في وجه الأيام بشره، وتأرّج في عبق الشام نشره، وتقدّم في جماهير الأولياء تقدم المشاهير في بكر وائل علم وعمل، واستقام ولم يمل، وكان لا يبالي بكلمة حق إذا قالها، ولا يعد مواجهته به عثرة ليقالها، يصدع بما أمر ويصدع من لا يأتمر، بل كان يقضي، ولا يعتذر، ويحكم عذل أم عذر، يتكلم ولا يبالي ولو أن السيوف جواب، ولا يندم ولو أن السكوت صواب.
أحد أصحاب أبي يوسف، أخذ الفقه عنه خاصة، وروى عنه كتبه وأماليه.
قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة؛ فإذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ههنا أصحاب أبي حنيفة؟. فيقال: بشر.
فيقول: أجب فيها. فأجيب.
فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين.
وكان بشر - رحمه الله تعالى - جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحا، ديّنا، عابدا، عالما، واسع الفقه، حسنا في باب الحكم، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل والنوادر بما لا يمكن جمعها كثرة.
وكان من المتقدمين عند أبي يوسف، وكان متحاملا على محمد بن الحسن، منحرفا عنه، وكان الحسن بن أبي مالك ينهاه عن ذلك، وسمع الحديث من مالك بن أنس، وطائفة من الأعيان.
قال أبو بكر الخطيب: ولي بشر القضاء بمعسكر المهدي من جانب بغداد الشرقي في سنة ثمان ومائتين، فأقام على ولايته سنتين ثم عزل. وولي قضاء مدينة المنصور سنة عشر، فلم يزل يتولاه إلى أن صرف سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقال عبد الباقي بن قانع عن بعض شيوخه: أن يحيى بن أكثم كان قد غلب على المأمون حتى كان عنده أكبر من ولده، فشكا بشر بن الوليد إلى المأمون، وقال: إنه لا ينفذ قضائي، فأقعده المأمون معه على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك، ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه؟.
فقال: يا أمير المؤمنين سألت عنه بخراسان فلم يحمد في بلده، ولا في جواره.
فصاح به المأمون، وقال: اخرج. فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، قد سمعت فاصرفه، فقال: ويحك هذا لم يراقبني فيك، كيف أصرفه؟. فلم يفعل.
وقال أحمد بن عطية: كان بشر يصلي كل يوم مائتي ركعة. وكان يصليها بعد ما فلج وشاخ.
وولي بشر القضاء ببغداد في الجانبين جميعا، فسعى به رجل، وقال: إنه لا يقول القرآن مخلوق!.
فأمر به أبو إسحق المعتصم أن يجلس في منزله، فجلس، ووكل ببابه، ونهي أن يفتي أحدا بشئ، فلما ولي المتوكل الخلافة أمر بإطلاقه، وأن يفتي الناس، ويحدثهم، فبقي حتى كبرت سنه.
ومات ببغداد سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع