تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى الفقيه القاضي

(¬*)

أحد المشهورين من أئمة أصحاب أبي حنيفة، وأرباب الرتب المنيفة، أبى له تمامه النقيصة، وأنف له شرفه أن يبتاع المعالي رخيصة.

أخذ الفقه على كبر، وصب عليه ثوب السهاد وصبر، وجدّ فيه حتى كان إماما، ودخل مدنه ولم يلمّ به إلماما، ورأى ما سواه نقصا فأنف إلا أن يكون تماما.

تفقّه على محمد بن الحسن وصحبه، وسبب تفقّهه أنه قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرا، فجعلت أتمّ صلاتي، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة، فقال لي: أخطأت. فإنك تخرج إلى منى وعرفات.

فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج، وعزمت على أن أصاحبه، فجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة، فإن لم تخرج منها لا تكون مسافرا. فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، ولم ينفعني ما جمعت من الأخبار، فرحلت إلى مجلس محمد بن الحسن، واشتغلت بالفقه.

وقال محمد بن سماعة: كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وكان حسن الحفظ للحديث، قال: وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء يخالفون الحديث. فلم أزل به حتى جلس في مجلس محمد بن الحسن، فقلت لمحمد: هذا عيسى بن أبان معه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى، ويقول: إنا نخالف الحديث، فأقبل عليه محمد بن الحسن، وقال له: ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع.

قال: فسأله عن خمسة وعشرين بابا في الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل، فالتفت إلى عيسى، وقال: بيني وبين النور ستر فارتفع عني.

قال: ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا حتى تفقّه، وكان يعظمه المأمون والمعتصم.

قال ابن سعد: ولي قضاء البصرة سنة إحدى عشرة ومائتين، لما عزل عنها إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.

قال أبو بكر الخطيب: واستخلفه قاضي القضاة يحيى بن أكثم على القضاء

بمعسكر المهدي لما خرج مع المأمون إلى "فم الصلح"، فلم يزل على عمله إلى وقت رجوع يحيى بن أكثم، وذلك سنة عشر ومائتين.

وقال بكار بن قتيبة: كان لنا قاضيان لا مثل لهما: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعيسى بن أبان.

قال بكار: سمعت هلال بن يحيى يقول: ما قعد في الإسلام قاض أفقه من عيسى بن أبان في وقته.

وقال أبو حازم القاضي: ما رأيت لأهل بغداد حدثا أذكى من عيسى بن أبان، وبشر بن الوليد.

وقال أيضا: تقدّم رجلان إلى عيسى بن أبان، فادّعى أحدهما على صاحبه دعوى، فأنكر المدّعى عليه، فقال عيسى للمدّعي: ألك بيّنة؟.

قال: نعم. فأحضر البينة، فقال المشهود عليه لعيسى: والله الذي لا إله إلا هو، لقد شهدا عليّ بزور.

فقال عيسى للشاهدين: إني لم أدعكما، وإن لم تقوما لم أمنعكما. وإنما يقضي أنتما. وإني متّق بكما، فاتّقيا الله ربّكما، فقاما ولم يشهدا.

وقال أيضا: كان عيسى رجلا سخيا جدا، وكان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه.

قال: وقدم إليه رجل محمد بن عباد المهلبي، فادّعى عليه بأربعمائة دينار.

فسأله عيسى عما ادّعاه، فأقرّ له بذلك. فقال الرجل: احبسه لي. قال: أما الحبس فواجب. ولكني لا أرى حبسه، وأنا أقدر على فدائه من مالي. قال:

فغرمها عنه عيسى بن أبان من ماله.

وقال شعيب بن أيوب - وهو من متقدّمي أصحاب أبي حنيفة -: أتى عيسى ابن هارون إلى المأمون بعدة أحاديث خرجها على أصحابنا، وزعم أنهم خالفوها.

فقال المأمون لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، ولبشر بن الوليد وليحيى بن أكثم، ولمحمد بن سماعة: إن لم تثبتوا الحجة لأصحابكم على هذه الأقوال بمثل هذه الأخبار، وإلا منعتكم من الفتوى بهذا القول، وجمعت الناس على خلافه.

قال: فتكلّف كل منهم فلم يعمل شيئا، فوضع عيسى بن أبان كتابه الصغير، وأدخله على المأمون. فلما قرأه عليه، قال متمثّلا:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالقوم أعداء له وخصوم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا: إنّه لدميم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

ومات عيسى بن أبان في صفر أو في المحرّم سنة إحدى وعشرين ومائتين.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.