من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
نصر بن زياد بن نهيك، أبو محمد النيسابوري
(¬*)
قاضي نيسابور. حكم لا يجور، وعلم قاصده لا يحور، يوضح الحقّ ولا يكاد يبين، ويقضي بالعدل ولو على الوالدين والأقربين لشدّة في الدين، وقوة حصاتها لا تلين.
أخذ الفقه عن محمد بن الحسن، والأدب عن النضر بن شميل، وسمع الحديث من عبد الله بن المبارك وغيره.
قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": ولي قضاء نيسابور بضع عشرة سنة. ولم يزل محمود الأثر عند السلطان والرعية، وكان من وجوه نيسابور، ومن المقبولين في الحديث والرواية، وله عندنا بنيسابور آثار كثيرة مذكورة، وكانت كتب الخليفة إليه متواترة.
ثم قال: ورد رجل من هراة؛ فرفع قصة إلى عبد الله بن طاهر، فلما قدم بين يديه قال: من خصمك؟. قال: الأمير أيده الله!.
قال: ما الذي تدّعي عليّ؟.
قال: ضيعة لي بهراة، اغتصبها والد الأمير!.
قال: ألك بيّنة؟.
قال: إنما تقام البيّنة بعد الحكومة إلى القاضي. فإن رأى الأمير أن يحملني وإياه على حكم الإسلام.
قال: فدعا عبد الله بن طاهر القاضي نصر بن زياد، ثم قال للرجل: ادّع. قال:
فادّعى الرجل مرة بعد أخرى، فلم يلتفت إليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه.
فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعوى حتى يجلس الخصم مع المدّعي.
فقام عبد الله بن طاهر من مجلسه حتى جلس مع خصمه بين يديه. فقال نصر للمدّعي: ادّع.
فقال: إن ضيعة لي بهراة .. - وذكرها بحقوقها، وحدودها - هي لي في يد الأمير.
فقال عبد الله بن طاهر: قد غيرت الدعوى، إنما ادعيت أولا على أبي.
فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في مجلس الحاكم فأدّعي أن والد الأمير قد كان غصبني عليها، وأنها اليوم في يد الأمير.
فسأل القاضي الأمير عن دعواه؛ فأنكرها. فالتفت إلى الرجل فقال: ألك
بيّنة؟.
قال: لا.
قال: فما الذي تريد؟. قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو.
قال: فقام الأمير إلى مكانه، وأمر أن يكتب إلى هراة بردّ الضيعة عليه.
وكان يحيي اللّيل، ويصوم الاثنين والخميس والجمعة، ولا يرضى من العمّال حتى يؤدّوا حقوق الناس إليهم.
فدخل عليه أحمد بن حرب يوما؛ فوعظه، وأشار في مواعظه بأن يستعفي عما هو فيه. فقال نصر: يا أبا عبد الله، ما يحملني على ما أنا فيه إلا نصر الملهوفين، والقدرة على الانتصار للمظلومين، ولعلّ الله ﷿ قد عرف لي ذلك.
وقال نصر بن زياد: كتب إليّ المأمون: "كان المتوقّع منك بأن تكاتب بأخبار ناحيتك لنعتمد ما تذكره من ذلك".
فأجبته: بأن الأمانة التي قلّدنيها أمير المؤمنين قد شغلتني عن غيرها".
قال الحاكم: " توفي في صفر سنة ست وثلاثين ومائتين ".
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع