تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري، المعروف ب "إلكيا الهراسي"

(¬*)

وأيّ عليّ لو وجد شيعة، وطبريّ طيّب بؤس المذاهب الشنيعة، عماد ما رفع مثله عمود الفجر لرواق الصباح، ولا شيّد به إلا بناء البيت في نطاق البطاح.

إمام لو وجد مؤتمّا، وعيان لو لم تفتح عينه على أعمى. الهرّاس: وأيّ هريسة، وأيّ زبون، وأيّ عزيز يشتري منه بالنفوس!، بارك الله للمغبون، لا يذوي له غراس، ولا يموت به إلا حاسد وقتيل بجانب المهراس.

أصله من طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقّه على إمام الحرمين إلى أن برع، وكان حسن الوجه، جهوري الصوت، فصيح العبارة، حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق، ودرس بها مدة إلى أن خرج إلى العراق، وتولّى تدريس المدرسة النظامية ببغداد، إلى أن توفي.

وقد ذكره عبد الغافر الفارسي في "تاريخ نيسابور"، فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي، بل آصل وأصلح، وأطيب في الصوت والنظر، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركيا روق بن ملك شاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولّى القضاء بتلك الدولة، وكان محدّثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه. ومن كلامه:

"إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهابّ الرياح".

واستفتاه الحافظ أبو الطاهر السلفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بينه وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء:

"ما يقول الإمام - وفقه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، تدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ ".

فكتب الشيخ تحت السؤال:

"نعم، كيف لا، وقد قال النبي ﷺ: " من حفظ على أمتي أربعين حديثا في أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما ".

وسئل إلكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة، لأنّه ولد في أيام عمر بن الخطاب وأما قول السلف ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولمالك قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح!. وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهد، والمنادم للقرد، ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله:

أقول لصحب ضمت الكأس شملهموداعي صبابات الهوى يترنّم
خذوا بنصيب من نعيم ولذةفكلّ وإن طال المدى يتصرّم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسيارة ضلت عن القصد بعدما»

وكتب فصلا طويلا، ثم قلب الورقة، وكتب: " لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وكتب فلان بن فلان".

وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك:

فإنه سئل عمّن صرّح بلعن يزيد، هل يحكم بفسقه؟. أم يكون ذلك مرخّصا له فيه؟. وهل كان مريدا قتل الحسين؟. أم كان قصده الدفع؟. وهل يسوغ الترحم عليه، أم السكوت عنه أفضل؟.

فأجاب ﵁:

"لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﵌: "المسلم ليس بلعّان"، وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟. وقد ورد النهي عن ذلك. وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكافر بنص النبي ﷺ، ويزيد صحّ إسلامه، وما صحّ قتله الحسين، ولا أمره، ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصحّ ذلك منه، لا يجوز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن بالمسلم أيضا حرام وقد قال تعالى: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وقال النبي ﷺ: "إن الله تعالى حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه". وأن يظنّ به ظنّ السوء، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أن به غاية حماقة، فإنّ من قتل الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، ومن الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو إذا كان في بلد بعيد، وفي زمن بعيد، وقد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟.

وقد تطرّق التعصّب في الواقعة فكثرت فيه الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلا، وإذا لم يعرف، وجب إحسان الظنّ بكل مسلم يمكن إحسان الظنّ به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل؟. وبم يعرف أن قاتل الحسين ﵁ مات قبل التوبة. ﴿وَهُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئاتِ﴾؛ فإذا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله تعالى، ولو جاز لعنه، فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له يوم القيامة: لم لم تلعن إبليس؟. ويقال للّاعن: لم لعنت؟. ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون؟. والملعون هو المبعد من الله ﷿، وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافرا. فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحّم عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات" فإنه كان مؤمنا، والله أعلم. كتبه الغزالي.

وكانت ولادة إلكيا في ذي القعدة، سنة خمسين وأربعمائة.

وتوفي يوم الخميس، وقت العصر، مستهل المحرم، سنة أربع وخمسمائة، ببغداد.

ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وكان مقدّم الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما منافسة في حال الحياة، فوقف أحدهما عند قبره، والآخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلا قوله:

وما تغني النوادب والبواكيوقد أصبحت مثل حديث أمس؟

وأنشد الزينبي متمثلا:

عقم النساء فلم يلدن شبيههإنّ النساء بمثله عقم

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.