تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب الجويني

(¬*)

أبو المعالي، الفقيه، الشافعي، ضياء الدين، إمام الحرمين.

إمام مكة والمدينة، ونظام البلدتين الطيبة والأمينة، أفصح الفقهاء لسانا،

وأوضح البلغاء إحسانا، لعباراته في الفقه نزعات أدبية، ونزغات عربية، كأنما جاء بها من البادية، تلاعبها أعطاف ريحها، وتجاذبها أطراف البداوة إلى لمم شيحها، كأنما كلامه صفائح زبر، أو صحائف خبر، أسرى من الخطب في المسامع، وأسرع من البخت في المطامع، وفي دلائه علم يضوي الحنادس، ويضوّع المجالس، ولقد اختار أبوه أمّا أخرجه من وعائها النظيف، وزرع في أرضها الزاكية منبته الشريف، ثم احتاط لمطعمه، وخاط بالحمية على فمه، حتى طلع ذهبه خالصا، وسطع بدره، وما طلع هلاله إلا تاما لا ناقصا، وقد ذكرت في ترجمة أبيه ما هو المشهور في حسن مرباه، وذكرت هنا ما ذكره ابن خلكان على ما يأتي وإن نافاه، وقد يكون هذا غير ذاك، وقد يكون إياه، غير أن الرواية اختلفت، وكلتاهما بتمام المراد قد وفّت.

تفقّه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبيعته وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرّف فيها حتى زاد عليها في التحقيق والتدقيق، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، وإذا فرغ منه مضى إلى الأستاذ أبي القاسم الإسفراييني الإسكافي بمدرسة البيهقي، حتى حصّل عليه علم الأصول.

ثم سافر إلى بغداد، ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز، وجاور بها أربع سنين، وبالمدينة، يدرّس ويفتي، ويجمع طرف المذهب، فلهذا قيل: إمام الحرمين.

ثم عاد إلى نيسابور في ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي، والوزير يومئذ نظام الملك، فبنى له المدرسة النظامية بنيسابور، وتولّى الخطابة بها، وكان يجلس للوعظ والمناظرة، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر من الأئمة، وانتهت إليه رياسة الأصحاب، وفوّض إليه أمور الأوقاف، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلّم إليه المحراب والمنبر، والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة.

وصنف في كل فن.

قال أبو جعفر الحافظ: سمعت الشيخ أبا إسحق الشيرازي يقول لإمام الحرمين: يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة.

وادّعى الاجتهاد المطلق لأنّ أركانه كانت حاصلة له، ثم عاد إلى تقليد الإمام الشافعي لعلمه أن منصب الاجتهاد قد مضت سنوّه.

ومن تلاميذه أبو القاسم الأنصاري.

وكان والده الشيخ أبو محمد في أول عمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كتب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضا إلى أن حبلت بإمام الحرمين وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدا من إرضاعه، فاتّفق أنه دخل عليها يوما وهي متألّمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم،

وشاغلته بثديها، فرضع منه قليلا، فلمّا رآه شقّ عليه وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل عليّ أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه.

ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة!.

ومولده في ثامن عشر المحرم، سنة تسع عشرة وأربعمائة.

ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور، يقال لها بشتنقان، موصوفة باعتدال الهواء، وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء، وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.

ونقل إلى نيسابور تلك الليلة، ودفن من الغد بداره.

ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلّى عليه ولده أبو القاسم، وأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، وأكثروا فيه المراثي، وكانت تلامذته يومئذ قريبا من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك عاما كاملا.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.