من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد
(¬*)
أبو نصر، المعروف بابن الصّبّاغ.
ما فتحت الكتب بمثل أبواب تصانيفه المصبغة، ولا تنزّهت النواظر في أحسن من قوالبه المفرّغة، كأنّما توشّت الوجنات بصباغه، ونمت قطع الرياض في أصباغه، ومرت عليه أخلافها سحب وحيّه، ومرت له عليها يد سيحية،
فأخرجت منه ما طلب من ألوان شتّى، وأصباغ ما ترك في جملتها من تفاصيل الزهر نبتا، فجاء بما ظهر من ألوانه، وأشبه الزهر في أوانه، حتى جاء بما يقرّ قوس قزح لتلوينه، وتقرّ عيون الرياض لو برزت في أفانينه، ويعيد زمان الربيع وقد ذهب، ويواصل بصنائع صنعاء وقد انقطع الجلب، وتتمنى العرائس لو جليت في حلله الملونة، ورفعت أنماطها من أفانينه المفنّنة، وزينت صورها الحسان بجلابيبه المحسّنة، وجاء بألوان البصرة كما يقال إلا أنها تملأ البصر، وتربأ عن مصبغات المحاسن التي في تراكيب الصور، والتشبيه بخضرة العذار، وحمرة الخد، وبيان الجبين، وسواد الطرر،. حرجا مما يحرك هوى، أو يحرض على جوى، الله أكبر إنّ بالفضل لكلفا أكثر من الكلف بالحسان، وأكبر من أن يوصف إلا إذا جفّ اللسان، ولقد جمع فما أبقى كتابه "الشامل"، ولا خلى إلا السحاب ودمعه هامل، ولا أغرى بتمامه إلا البدور بالنقص وهي كوامل، بلى أبات حاسده بليال طوال كسهره في تصنيفه، وقاسمه مقالة الناس له بشكره، ولحاسده بتعنيفه.
وكان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ويقدم عليه في معرفة المذهب، وكانت الرحلة إليه من البلاد.
وكان تقيا، حجة، صالحا، وله مصنّفات مفيدة، منها: كتاب "الشامل" في الفقه، وهو من أجود كتب الشافعية وأصحّها نقلا وأثبتها أدلّة.
وتولّى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، أول ما فتحت، ثم عزل عنها بالشيخ أبي إسحاق، وكانت ولايته لها عشرين يوما، ثم أعيد إليها بعد وفاة
أبي إسحاق.
وذكر أبو الحسن بن الصابئ أن المدرسة المذكورة لما فرغ من بنائها، أمر نظام الملك واقفها أن يكون المدرّس بها أبا إسحاق الشيرازي. وقرروا معه الحضور في يوم السبت عاشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة للتدريس، فاجتمع الناس ولم يحضر، وطلب فلم يوجد، فنفذ إلى أبي نصر بن الصباغ وأحضر، ورتّب بها مدرّسا، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم، وفتروا عن حضور درسه، وراسلوه ان لم يدرّس بها مضوا إلى ابن الصبّاغ وتركوه. فأجاب إلى ذلك، وعزل ابن الصبّاغ، وجلس أبو إسحاق مستهلّ ذي الحجة، وكان مدة تدريس ابن الصبّاغ عشرين يوما.
وقال ابن النجار: لما مات أبو إسحاق تولّى أبو سعد المتولي، ثم صرف في سنة ست وسبعين [وأعيد ابن الصباغ ثم صرف في سبع وسبعين] وأعيد أبو سعد إلى أن مات، وكان مولد أبي نصر سنة أربعمائة، وكفّ بصره في آخر عمره.
وتوفّي في جمادى الأولى، سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقيل: بل توفي يوم الخميس منتصف شعبان منها.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع