من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري
(¬*)
الفقيه، الشافعي، الماوردي.
الذي ينفح عطرا، ويملأ الأرض من ماء الورد قطرا، بما هو أذكى من الورد الذي تحمله الغصون، وتذيع الريح سره المصون، ويذبل به ورد الشفق فلا يوصف بالخفر، ولا يوجد منه الخبر مثل الخبر، بل لو قابله الورد في غصونه لأطرق، ولعلم أنه بنار الحسد لماء ورده يحرق، وعلم أنه لمداناته وقع في جور جور، وألقى حمأ في التنور المسجور، وفعل به فعل مردة العفاريت فأدخل في قمقمه وسد، وأوثق عليه الوكاء وشد، حين أرسل عليه شواظ من نار ونحاس، وحبس حبس الجن لا الناس، بعد ما خلع من سندس الورق إزاره، وفككت من عري الغصون أزراره، وشحب نجمه المريخي مصفودا من الأفق، وأصبح مرميا على الطرق وظل مصلوبا على شجره، منكس الرأس مائل العنق، وغدا يوقت له الأوان، ويرمى في سوق الهوان، بل هو من ورد الخد الذي تكلل بلؤلؤ العرق، وتموج فلولا ناره لشرب، ولولا ماؤه لاحترق، وجاء بما يفخر به نيسان على الزمان، ويذخر منه في قعر البحر الجمان، لا بل هو الورد الذي لا يذوي حسنه، ولا يلوي غصنه، والعنبر الورد الذي تفتقه الأذهان، وتشققه البحار فيعز والعنبر يهان، من العلم الذي يدني جني الجنان، ويدوم وقد ذوى
الزهر وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم من المسرة، وولي القضاء فما نقص منه ولا ضره.
كان من وجوه الفقهاء الشافعية، من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظا للمذهب، وله كتاب "الحاوي"، الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد. وله تصانيف أخر، منها: "النكت والعيون". في تفسير القرآن الكريم. و"أدب الدين والدنيا"، و"الأحكام السلطانية"، و"قانون الوزارة وسياسة الملك"،
و"الإقناع في المذهب" وهو مختصر.
وصنّف في أصول الفقه، والأدب، وانتفع به الناس.
وقيل: إنه لم يظهر شيء من مصنفاته في حياته، وإنما جمعها كلها في مواضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني تصنيفي كلها!، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر!!. فإذا عاينت الموت، ووقعت في النّزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها!، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قد قبلت. وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة.
قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت يده في يدي، فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه [بعده].
وذكر الخطيب في أول "تاريخ بغداد": عن الماوردي - المذكور - قال:
كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوّقنيقدما إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عنها الآن إذ جمعتطيب الهواءين ممدود ومقصور
وكان أبو الحسن الماوردي من أهل البصرة، وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارها لها، ثم طابت له، ونسي البصرة، فشقّ عليه فراقها، فلما خرج من بغداد راجعا إلى البصرة ينشد أبيات الأحنف بن قيس:
أقمنا كارهين لها فلمّاألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكنأمرّ العيش فرقة من هوينا
خرجت أقرّ ما كانت لعينيوخلّفت الفؤاد بها رهينا
وقد نسب السمعاني هذه الأبيات إلى أبي محمد المزني.
وتوفي الماوردي يوم الثلاثاء، سلخ شهر ربيع الأول، سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد، وعمره ست وثمانون سنة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع