من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري
(¬*)
أبو الطيب، القاضي، الفقيه، الشافعي.
جامع فضل، بيته المطهّر كالمساجد، ومصابيحه المنوّرة للهاجد.
أجاد في المسائل الشرعية، والفضائل الشعرية، ولولاه في زمانه لم يجر للسنن رسن، ولا عرفت للنظر فطن، فردّ شأن شانئه صاغرا، ولسان حاسديه يجوب فما فاغرا، إذ لا يتساوى البليد والبليغ، والمسيء والمسيغ، ولم يتغير عليه حال والقوة مقويه، والمواد موديه.
لم يزل على هذا حتى أسكت الموت شقاشق لسنه، وأبدل شقائق أدبه بياسمين كفنه.
كان ثقة، صادقا، ديّنا، ورعا، عارفا بأصول الفقه وفروعه، محقّقا في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء.
ومن شعره ما أورده الحافظ أبو طاهر السلفي بسنده إلى أبي الطيب، قال:
كتبت إلى أبي العلاء المعرّي الأديب حين وافى بغداد، وقد كان نزل في سويقة غالب:
وما ذات درّ لا يحل لحالبتناوله واللحم منها محلّل
لمن شاء في الحالين حيا وميّتاومن شاء شرب الدرّ فهو مضلّل
إذا طعنت في السنّ فاللحم طيبوآكله عند الجميع مغفّل
وخرفانها للأكل فيها كزازةفما لحصيف الرأي فيهنّ مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرّزعليم بأسرار القلوب محصّل
فأجابني، وأملى على الرسول في الحال مرتحلا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهماصواب، وبعض القائلين مضلل
فمن ظنّه كرما فليس بكاذبومن ظنه نخلا فليس يجهّل
لحومهما الأعناب والرّطب الذيهو الحلّ، والدرّ الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضةتمرّ وغضّ الكرم يجنى ويؤكل
يكلّفني القاضي الجليل مسائلاهي النجم قدرا بل أعزّ وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلهاجديرا، ولكن من يودّك مقبل
فأجبته عنه وقلت:
أنار ضميري من يعزّ نظيرهمن الناس طرا سابغ الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرهاوخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سرّ المعاني وجهرهاومعضلها باد لديه مفصل
ولما أنار الحب قاد منيعهأسيرا بأنواع البيان يكبّل
وقرّبه من كل فهم بكشفهوإيضاحه حتى رآه المغفّل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاومرتجلا من غير ما يتمهّل
فيخرج من بحر ويسمو مكانهجلالا إلى حيث الكواكب تنزل
فهنّأه الله الكريم بفضلهمحاسنه والعمر فيها مطوّل
فأجاب مرتجلا، وأملى على الرسول:
ألا أيها القاضي الذي بدهائهسيوف على أهل الخلاف تسلّل
فؤادك ممهور من العلم آهلوجدّك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير مموّلفأنت من الفهم المصون مموّل
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلافأنت، وهم مثل الحمائم أجدل
كأنّك من في الشافعي مخاطبومن قلبه تملي فما تتمهّل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساوأنت بإيضاح الهدى متكفّل
تفضّلت حتى ضاق ذرعي بشكر مافعلت وكفّي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريّا فصاحةوأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذرك في أني أجبتك واثقابفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التيهي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظهارسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عامرالها وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلافأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجمّلت الدنيا بأنك فوقهاومثلك حقا من به تتجمّل
ومن شعره:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهملبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل
وعاش مائة وسنتين، لم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات.
واشتغل عليه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه:
"لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا، وأشدّ تحقيقا، وأجود نظرا منه، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مسجده سنتين بإذنه، ورتّبني في حلقته".
واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ، بعد موت عبد الله الصيمري.
ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته في شهر ربيع الأول، يوم السبت لعشر بقين منه، سنة خمسين وأربعمائة.
ومولده بآمل، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع