من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الوزير أبو المغيرة، عبد الوهاب بن حزم
(¬*)
أحد الوزراء الأعيان، والكبراء اللايثين عمائمهم بالسّحاب. قرطس في المعالي، وقرطق باللآلي، وجاء بالسحر الذي ما جاء من بابل، وأصاب لبّة النحر الذي ما وصل إليه نابل.
وكانت بينه وبين أبي محمد [بن حزم ابن عمه] مشاجرات، استطال فيها
لسان الخصام، ورسائل أفتك من مواقع الصمصام.
وقد ذكر ابن بسّام أبا المغيرة فقال:
"كان أبو المغيرة هذا ظبة الحسام، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الزمان، حلّ من زهر الفضائل، محلّ السنان من العامل، والزبرقان من المنازل، [وتمّت به غرر المحامد، تمام الصّلات بالعوائد، ومجهول اللغة بمعلوم الشواهد]، ودولة عبد الرحمن بن هشام المستظهر كانت مهبّه الذي منه عصف، ومجاله الذي فيه تصرّف، ألقى إليه زمامه، وأخدمه أيامه، ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فتسحّب على الرمل، تسحّب الهوى على العذل، وامتزج بملوك العصر امتزاج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
قال أبو مروان:
"وكتب عن عدة من الأمراء، ونال حظا عريضا من دنياهم، إلا أنه اعتبط شابا بعد أن ألّف عدّة تواليف، وجرت بينه وبين ابن عمه الفقيه أبي محمد بن حزم هنات، ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكّته حتى أسكته، لأنه كان أنبه منه في حضور شاهده، وذكاء خاطره.
وكان في زمانه في الجدّ والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء، مستفخذا للبيضاء، ممتطيا للشقراء، وتصوّر في قلوب الرؤساء فأجزلوا أرزاقه، وأعظموا صلاته ".
قال ابن بسام: " وقد أخرجت من رسائله العميدية، وقصائده اللبيدية، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتّاب ".
كتب إليه أبو علي بن الربيب القروي رقعة يقول فيها:
"إني فكرت في بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومعدن كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، وصحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب، يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكانته، فشجع عندهم بذلك الجبان، وأقدم التيهان، ونبّه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيّ، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتثعبن الحفاث، وتنافس الناس في العلوم، ثم هم في ذلك مع غاية التقصير، ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دوّنوا فضائل أمصارهم، فخلدوا في الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتّاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين، وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امريء منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبيه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف أن
يعنّف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقسا في فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه، على أنه لو أطلق ما عقل الإغفار من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همّة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ كظم ابن دغفل، ويصير شجى في حلق أبي العميثل، فإذا أدرك تلك البغية وجاءته بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره.
ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة
قارب، لو نفث من بلدكم مصدور لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول كما تلقوا ديوان أحمد بن عبد ربه الذي سماه: "العقد"، على أنه يلحقه في بعض اللوم، لا سيما إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل، وأطال الهزّ بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم.
فأرشد أخاك - أرشدك الله إن كانت عندك في ذلك الجلية وبيدك فصل القضية، إن شاء الله.
فراجعه أبو المغيرة برقعة يقول فيها:
"أما بعد، أبقاك الله من حميم صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإنّ الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم، وليس عدم الترائي والعيان، بقاطع للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل بقادح في الأذمة والوسائل، والكتاب عوض من الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسّم ذكرك، فأترسّم قدرك، وأسمع خبرك فأرى خبرك، حتى أرادت الأيام كشف السر، ورفع الستر، فوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، ووشي محوك، وذهب مسبوك، فرأيت صور الأدب باهرة المرأى والعيان، شاهدة لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها، ومالك جملتها، وواحذ فنونها، ووارد معينها، وقادمة جناحها، وصبا رياحها، فسألت
سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادّعيت الحيرة وأنت أهدى في تلك الفلا من فارط القطا، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب، والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أنّي على نفسي أبتهل بهذا الدعاء لمن أسرّ حسوا في ارتغاء.
فأول ما قدّمت في كتابك ما يقدمه ذو الفضل والنبل من ثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك على الغارب والسنام، حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد، وناطق الأعجم الفصيح، وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسدا [على الفضائل] هذا معنى كلامك، لم أورد ألفاظه، وإن أصميت أغراضه، إشفاقا من أن أفضح كلامي به، وأدل على قصور آلتي بمجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب.
ثم قلت: إنّ ذكر الفتى عمره الثاني، والميت: المجهول لا الفاني، فكم من
هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشانه، وحيّ أثوابه كفنه، وجهله جننه.
وهؤلاء الذين أنضيت في وصفهم جياد مدحك، وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي، وبخلاف هذا المذهب قائلون، فولّيت في حيّز وعزلت، وارتفعت في حال ونزلت، وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدّين في كل حال، ثم زدت في التعليل، وبالغت على الاحتجاج باعتمادك تكذيب من قال: "إن الذي قلته لو ارتفع، والذي قاله غيرك لو وقع، لكان قرب المسافة التي هي شوط جار، بل غمضه سار، توجب حلّ الشك، وانجلاء الإفك، فعجبت من أمنك مراجعا لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوّتك عقدي، يجعل جوابك قول القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حياولكن لا حياة لمن تنادي
وغفرا غفرا لهذا العقوق، وخذه بإزاء قولك: " تخطّفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق "، وعلى كل حال: فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا، وما أشبهنا بالغريبة التي خيرها يدفن وشرها يعلن، يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه، والبحر بعلمه، والنار بذكائه، والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة".
وفي فصل منها:
"ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعرف مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صقعنا، لكان عذرنا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحا، وإن كان كتب بإطلاق قولك هذا قد جاهرتنا، وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف انقاد كريم طبعك لها، وأعجب أيضا من بخوعي لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أنّ عندكم لنا تواليف، تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها، وإن ودّا عقل لك لسانين ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لودّ يفضح الروض في حزنه، برائق حسنه، ورضوى هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه، وما هي إلا شيمة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها".
ثم خرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول هي عادلة عن هذه السبيل، وختمها بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها.
ومنه قوله: " … فعفى تلك الآثار ما سال من عذاره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره، لا جرم لقد بقيت خيلان كالآثار الدالّة على الديار، والحلي السقيط المخبر عن بين الخليط، وإذا تأمّلتها وقد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب:
برسوم كأنهنّ نجومفي عراص كأنهنّ ليال
قال ابن بسام: " وأبو المغيرة في دعابته هذه كما قرأته في فصل كتبه أبو عبد الرحمن بن طاهر إلى [الوزير] ابن عبد العزيز، مع غلام وسيم، يقول فيه: هذا الفتى كما تراه يطلب خدمة، وبه حشمة، ويزعم أنه يحمل حمله، ويؤتى كل حين أكله، وقدما عهدتك تحنّ إلى هذه العصافير، فإنها حمر الحواصل صفر المناقير".
ولأبي المغيرة من أخرى:
"أعزك الله - في الاحتماء حسم الداء، ولا عدوّ للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا جنسه، وليس في الحيوان أخبث في ذاته من الإنسان، فالاحتراس كل الاحتراس، والمعاشرة الجميلة للناس، فأبصر [وحسن] سريرتك، ولا تلدغنّ من جحر مرتين، واذكر المثل السائر في اللاعب بين وتدين، والعاقل من حمله كل بلد، ونفق عند كل أحد، وأعقل منه من عرف الناس ولم يعرفوه، فاستراح من أجنبي متكلف، أو قريب غير منصف، ولم يفتقر إلا إلى ربّه، ولم يأنس إلا بنور لبّه.
ومن أخرى:
"فالأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها، وتقلدت سخابها، وبرز الورد من كمامه، واهتزّ الروض لتغريد حمامه، والأشجار قد نشرت شعورها، وهزّت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها، وأماطت عبوسها،
وكأنّ بها قد أطلعت من كل ثمر ضروبا، وأبدت من جناها منظرا عجيبا، وإن كنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس، والدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة:
شهدنا [إذ رأيناهم فإنا]على اللذات في الدنيا شهود
وحالي حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية، وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك لأسكن إليها إلى ما أوثره من ذلك، وشفّع لي بخبر فلان، واشرح لي: أين بلغ من تكسّبه، وحيث انتهى من تطبّبه، وكيف ظروفه وخزائنه، ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبّه، وينفق بختجه وحبه، وصف لي ما يقوله على الماء، ويبرئه من الأدواء، وأهد إليّ ما ينمقه من المقال، على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام، في الفالج والزكام، [فالحمد لله لمن قرن له ذلك إلى القيام بشريعة الإسلام والتمهر في الأحكام] ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدل والخصام".
وله من أخرى خاطب بها أبا محمد بن حزم، قال ابن بسام: أثبت منها بعض الفصول فرارا من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس:
ألا لا أرى مثل امترائي في رسمتوهمه عيني ويرفضه وهمي
أتت صورة الأشياء بيني وبينهفظنّي كلا ظنّ، وعلمي كلا علم
وقفت - كلأك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام، على كتاب عنوانه باسمك، أسمال كأنه طلل بال، فكلّما هززته هوّم، أو سألته استعجم، معنى كصدي الإنسان، ولفظ كمنهجات الأكفان، وأغراض لا يدب فيها بسهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجّها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمت متبلدا، وعدت على نفسي وقريحتي متردّدا، فقالتا: أفق أيها الإنسان، لست بالنبي سليمان، متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل وسرار النمل؟. ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت؟. ألم تسر في صحرائه فأوغلت؟. ألم تجر في ميدانه فسبقت؟. ألم تنر في ظلمائه فأشرقت؟. هل أحسست بنكول جنان؟. أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود، عليترائب الفتاة الرود؟. ونثرت كالنجوم في صفحة الليل البهيم؟.
قلت: بلى. قالتا: فأعرض عن رطانه الزّط، وصفير البط، ولا تعج على طلل بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد.
فقلت: أسرفتما طاعنتين، إنّ كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعالم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان، فأعدت النظر، فإذا بك - أبا محمد - صاحبه، كتاب مبني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس الله أنواره، وأظهر عواره، فجاء
كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر".
وفي فصل منها:
"فاستقصرت من دفع إليّ كتابك، فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة؟، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة؟. ونسيت - أبا محمد - حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدارسهم، وكبير أحراسهم، تحدثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر، فتارة عن السامري والعجل، وتارة عن القمل والنمل، وطورا تبكيهم بحديث التيه، وطورا تضحكهم بقوم جالوت وذويه، حتى كأنّ التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تحدّث وتقول وتعجبت من حرصي ونسيت نفسك - أبا محمد - حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجربياء، وفي وقت تمكن فيه الحيوان، وأحقّها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيا قائما على حاله، مالكا لماله، يدعو الله عليك، إن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه".
وفي فصل منها:
"ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصرها وأناخها، ومن أين نفد بصرك حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل؟. وما أظنك جعلتها إلا تميمة لتلك القطعة الكريمة، امتثالا لقول القائل:
ما كان أحوج ذا الكمال إلىعيب يوقيّه من العين
ومن لك بأن نصبر عليك؟، ونتأنّى بك؟، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت، ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السّلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل وصوله بيدي:
فقل فيما يجنّ عليه ليلويمضي في صناعته نهار
هنالك تظهر الآيات حتىيقال: تناثر الفلك المدار
فراجعه أبو محمد برقعة قال فيها:
سمعت وأطعت لقوله تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾ وسلمت وانقدت لحديثه ﵊ «صل من قطعك واعف عمن ظلمك» ورضيت بقول الحكماء: «كفاك انتصارا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه وأقول:
تبغّ سواي امرءا يبتغيسبابك إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السفاهوصنت محلي عما يعاب
وقل ما بدالك من بعد ذاوأكثر فإن سكوتي جواب
وأقول:
كفاني بذكر الناس إلى ومأثريوما لك فيهم يا ابن عمي ذاكر
عدوّي وأشياعي كثير كذاك منغدا وهو نفّاع المساعي وضائر
وإنّي وإن آذيتني وعققتنيلمحتمل ما جائني منك صابر
فوقّع له أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقّة، فحين استوعبتها، أنشدتني:
نحنح زيد وسعللما رأى وقع الأسل
فأردت قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لا قطعتها إلا يده، فأثبتّ على ظهرها ما يكون سببا لصونها، وقلت:
نعقت، ولم تدر كيف الجوابوأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريت وحدك في حلبةنأت عنك فيها الجياد العراب
وبتّ من الجهل مستنبحالغير قرى فأتتك الذئاب
فكيف تبيّنت عقبى الظلومإذا انتفضت في الخميس العقاب
لعمرك ما لي طباع تذمولا شيمة يوم مجد تعاب
أنيل المنى، والظّبا سخّطوأعطي الرضى والعوالي غضاب
وأقول:
وغاصب حقّ أوبقته المقادر"يذكرني حاميم والرمح شاجر"
غدا يستعير الفخر من خيم خصمهويجهل أن الحق أبلج ظاهر
ألم تتعلّم يا أخا الظلم أنّنيبرغمك ناه منذ عشر وآمر
تذلّل لي الأملاك حرّ نفوسهاوأركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في أهل الزمان شوارداتألّفهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإنّي سائروإن أنأ عن قوم فإنّي حاضر
وحسبك أن الأرض عندك خاتموأنك في سطح السلامة عاثر
إذا كنت في ظهر من العدل منجدافإنك في بطن من الجور غائر
ولا لوم عندي في استراحتك التيتنفّس عنها والخطوب فواقر
فإنّي للحلف الذي مرّ حافظوللنزغة الأولى لحاميم ذاكر
هنيئا لكلّ ما لديه فإنهاعطية من تبلى لديه السرائر
وكذلك من هؤلاء الأسرة الغراء، والدوحة النضراء:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع