من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي
(¬*)
أسد فتح فاه والتقم، وبحر زخر عبابه والتطم، سيل عرم يجتحف ما قدامه، وريح زعزع ينسف ما جاء أمامه، وجبل لا يأمن من استذرى به أن يقع عليه،
وأرقم لا يطمئن راقيه أن يثب إليه، شجاع أعدّ للحرب، وحسام لا يفلّ له غرب، ومثقف ما ألف إلا الطعن والضرب، أكل العلماء بلسانه، وأذهب سوء الصنيع بإحسانه، ووطئ الرجال بقدمه، وفلّ النصال بقلمه، ونكس بعلمه الأعلام، وقطع حيازيم الملوك بالكلام، وكان أمة وحده، والسّلام.
ولد في الجانب الشرقي من قرطبة من بلاد الأندلس، سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه، وجده يزيد
أول من أسلم من أجداده. وذكره ابن بسام بكلام ملخّصه: " إنه تمذهب للشافعي، ثم رأى رأي داود بن علي الظاهري، وأبغضه علماء زمانه، وسعوا حتى طرد إلى بادية لبلة، وهو لا يبالي بل يصنف ويؤلف، ويشغل ويدارس.
وصنف وسق بعير لم يعدّ أكثرها عتبة باديته، لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها بإشبيلية، ومزّقت علانية، وهو لا يزداد إلا بصيرة في نشرها، وجدالا للمعاند فيها، إلى أن مضى لسبيله.
ثم قال: وعلى ذلك كله، فلم يكن بالسليم من اضطراب رايه، ومغيب شاهد علمه عنه عند لقائه، إلى أن يحرك منه بالسؤال [فيفجر منه] بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا تقصر عنه الرشا.
قال: ووصفه ابن حيان، ولعمري ما عقّه، ولا بخسه حقه.
وقال ابنه أبو رافع [الفضل] بن علي بن حزم: اجتمع عندي بخط أبي من تأليفه نحو أربعمائة مجلد، تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.
وقال ابن بشكوال: كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة بعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، والسير، والأخبار.
وقال أبو عبد الله بن فتوح: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه، وجمعت شعره على حروف المعجم، وكان بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات، وماجرّيات [يطول شرحها].
وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدّمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستقل بفقهاء وقته، فتمالؤوا على بغضه، وردوا قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشرّدته عن بلاده، حتّى انتهى إلى بادية "لبله"، فتوفي بها في شعبان، سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وفيه قال أبو العباس ابن العريف: كان لسان ابن حزم، وسيف الحجاج شقيقين، وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب: "العواصم من القواصم": وقد حطّ على الظاهرية -: هي أمة سخيفة تسوّرت على مرتبة ليست لها، وتكلمت
بكلام لم تفهمه، تلقّفوه من إخوانهم الخوارج، حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف من إشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلّق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة، يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوه تنفيرا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوامّ، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فيتضاحك مع أصحابه منهم، وعضدته الرئاسة بما كان فيه من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه، بما كان يلقي إليهم من شبه البدع والشرك، وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ظلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، [إلى حسّاد] يطؤون عقبي تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم، وتشغيب بهم ". وذكر كلاما في الحطّ على الظاهرية.
وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي: أخبرني ابن حزم: أن سبب تعلمه للفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل:
قم، فصلّ تحية المسجد. وكان ابن ستّ وعشرين سنة، قال: فقمت، وركعت.
فلما رجعنا من الجنازة، جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: اجلس، اجلس، ليس ذا وقت صلاة!، يعني بعد صلاة العصر.
فانصرفت حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته وأعلمته بما جرى عليّ. فدلّني على" الموطأ ". فبدأت به عليه قراءة، ثم تتابعت قراءاتي عليه وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة.
ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته.
وقال أبو مروان بن حيان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه، وجدل، ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط لجرأته في التّسوّر على الفنون، لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زلّ هناك، وضلّ في سلوك المسالك، وخالف أرسطو واضعه - مخالفة من لم يفهم غرضه ولا ارتاض.
ومال أولا إلى مذهب الشافعي، وناضل عنه، حتى وسم به، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى الظاهر، فنقّحه، وجادل، ولم يك يلطّف صدعه بما عنده بتعريض ولا بتدريج، بل يصكّ به معارضه صكّ الجندل، وينشقه إنشاق الخردل، فتمالأ عليه فقهاء وقته، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامّهم من الدنوّ منه، وطفق الملوك يقصونه، ويسيّرونه عن بلادهم، وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع، يبث علمه في من ينتابه من بادية بلده من أصاغر الطلبة، يسمعهم ويفقّههم، ويدارسهم.
وكان مما يزيد في شتاته: تشيّعه لأمراء بني أمية، ماضيهم، وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم، حتى نسب إلى النّصب.
وقال ابن دحية: كان قد برص من أكل اللّبان، وأصابه زمانة، وعاش اثنتين وستين سنة، إلا شهرا.
وقال اليسع بن حزم الغافقي: أما محفوظ ابن حزم، فبحر عجاج، وماء ثجاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت بثجاجه ألفاف النعم، في رياض الهمم، لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على أهل كل دين، وكان أولا يلبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير، مدح المعتمد فأجاد، وقصد بلنسية، وبها المظفر أحد الأطواد.
حدثني عنه عمر بن واجب، قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية، وبها المظفر وهو يدرس المذهب، إذ بأبي محمد يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفقه؟. فاعترض فيه، فقال له بعض الحضّار: هذا العلم ليس من منتحلاتك، فقام وقعد. ودخل منزله، فعكف، ووكف منه وبل ما كف، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع، فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق، وأجتهد، ولا أتقيد بمذهب.
وتوفي بقريته، على خليج البحر الأعظم، في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وقيل: مات ليومين بقيا من شعبان، سنة ست وخمسين وأربعمائة.
ومن شعره، قوله في قصيدة:
أجل هو مغنى قد عفته الروامسفهل أنت فيه ويب غيرك حابس؟
عسى يستجيب الربع إذ أنا سائلوهل ترجع اللفظ الطلول الدوارس؟
وفي طي مثنيّ الصفيح على الثرىسنا شبه للشكل والحسن لابس
غريب صفات الحسن إن تبغ حسنهفأمنع معدوم هناك المجانس
إذا حدّ لم تحو الحدود جهاتهوإن قيس يوما ضلّ فيه المقايس
عجبت لدهر لا يني وهو طالبيبثأر ولا ينفكّ دأبا يمارس
فأهلا بوفد الشيب إذ جاء وافداوكنت، وقلبي قبل ذا منه واجس
ولما أتى ردّت نفوس بغيظهاولم تنبسط نحوي اللحاظ النواعس
تثنّين عني كالغصون وأعرضتضواحك أقمار وهنّ عوابس
إذا ما تراميني مفاخر معشرفأيسر فخري للمفاخر دائس
وإني بعرضي دون ديني متّقوإني بروحي دون عرضي متارس
سما بي ساسان ودارا وبعدهمقريش العلى أعياصها والعنابس
فما أخّرت حرب مراتب سؤدديولا قعدت بي عن ذرى المجد فارس
وقوله في قصيدة قالها، وقد تعصّب على بعض أصحابه في وقت، بميورقة، فامتد بعض جهّالها إلى بعض كتبه فأحرقها، ليشنعوا بذلك ليردّ الناس عنه:
فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذيتضمّنه القرطاس بل هو في صدري
دعوني من إحراق رقّ وكاغدوقولوا بعلم كي يرى الله من يدري
وقوله - وقد أكثروا عليه تخويف بأس نظرائه، كأبي الوليد، وغيره:
قالوا: تحفّظ، فإنّ الناس قد كثرتأقوالهم، وأقاويل العدا محن
فقلت: هل عيبهم لي غير أني لاأقول بالرأي إذ في رأيهم فتن
لا أنثني لمقاييس يقاس بهافي الدين، بل حسبي القرآن والسنن
دعهم يعضوا على صمّ الحصى كمدامن مات من قوله عندي له كفن
إنّي لأعجب من شأني وشأنهموا حسرتا إنني بالناس ممتحن
ما إن قصدت لأمر قط أفعلهإلا وطارت به الأظعان والسفن
أما لهم شغل عني فيشغلهمأو كلّهم بيّ مشغول ومرتهن؟
كأنّ ذكري تسبيح به أمروافليس يغفل عني منهم لسن
لو بيع ذكري على ما قد تكاثر منطلابه لم يكن يدرى له ثمن
إن غبت عن لحظهم ماجوا بغيظهمحتى إذا ما رأوني طالعا سكنوا
دعوا الفضول وهبوا للبيان لكييدرى مقيم على الحسنى ومفتتن
وقوله حين بلغه أنّ أبا الوليد الباجي يتناوله:
قالوا: سليمان يذمّك جاهدافقلت: دعوه، إنه غير طائل
هو المرء لا يؤسى لمطلق ذمّهولا لثناء منه بشرى لعاقل
وقوله:
أنائم أنت عن كتب الحديث وماأتى عن المصطفى فيه من الدين؟
لمسلم والبخاريّ اللذان هماشدّا عرى الدين في نقل وتبيين
أولى بأجر وتعظيم ومحمدةمن كل قول أتى من رأي سحنون
هيهات رأي امرئ من وحي خالقناقياس هذا بذا رأي المجانين
يا من هدى بهما اجعلني كمثلهمافي نصر دينك واجهد غير مفتون
وقوله من قصيدة:
وألزم أطراف الثغور مجاهداإذا هيعة ثارت، فأول نافر
لألقى حمامي مقبلا غير مدبربسمر العوالي والرّقاق البواتر
أطاعنهم حتى يوافيني الردىبضربة حرّان وطعنة ثائر
كفاحا مع الكفار في حومة الوغىوأكرم موت للفتى قتل كافر
ويرحل أصحابي، وأترك ثاوياطريحا لوحدي في مكرّ الحوافر
فيا ربّ لا تجعل حمامي بغيرهاولا تجعلنّي من قطين المقابر
وقوله يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة أبا المطرف - رحمه الله تعالى - من قصيدة:
ألمّ تجاليني جلاء مجربعلى أنه حقا بي العالم الطبّ
أعيذك أن ترتاب في آتي الذيأتى سابقا والكلّ ينجرّ أو يحبو
أمثلك يعشو عن مكاني ويمتري؟بأني من أفلاك ذا الأدب القطب؟
أيخفى عليك البدر ليلة تمّهولم تستتر عنك النيازك والشهب
وحاشاي أن يمتدّ زهو بمنطقيوأن يستفز الحلم من قولي العجب
ولكن لي في يوسف خير أسوةوليس على من بالنبي ائتسى ذنب
يقول، وقال الحقّ والصّدق إنّنيحفيظ عليم ما على صادق عتب
فلو كسي الفولاذ حدّة خاطريتساوى لديه اللحم والحجر الصلب
ولو كان للنيران بعض ذكائهوفاضت عليها لجة البحر لم يخب
وما اختصّ علم دون علم بوجهتيبلى مسرحي في كلها الواسع الخصب
ومالي عميم لست أخشى نفادهبإنفاقه، لا، بل يزيد وينصبّ
سموت بنفسي لا بمجد هوت بهمن الزمن العدّاء آلاته الجدب
وما ضرّ شعري أن منوشهر والديولم تحظ بي علما تميم ولا كعب
وإن شئت إخبار الدهور فإننيأنا جامع التاريخ مذ نبت الهضب
سواء عليّ ذكري قريب ونازحومن حملت أرض ومن ضمّه الترب
يسافر علمي حيث سافرت ظاعناويصحبني حيث استقلّت بي النّجب
أنا الشمس في جو العلوم منيرةولكنّ عيبي أن مطلعي الغرب
ولي نحو أكناف العراق صبابةولا غرو أن يستوحش الكلف الصبّ
هنالك يدرى أن للبعد قصةوأنّ كساد العلم آفته القرب
فيا عجبا، من غاب عنهم تشوّقواله، ودنوّ المرء من دارهم ذنب!
وقوله من أبيات يصف مقامه مع مناظريه:
ويوم كحدّ السيف ليس بثابتعليه جليد لا، ولا متجلّد
لقيت شباه وهو جمر مؤجّجوأقلعت عنه وهو فخر مخلّد
وقوله في أخرى:
وددت بأنّ ودّي فيك منيإليك مصوّرا لك بالعيان
فتعلمه معاينة كما قدعلمت يقين ذلك بالمعاني
وليت القلب شقّ وصرت فيهبجسمك، ثم أطبق في المكان
فغبت عن البرية فيه طرّاودمنا هكذا أمد الزمان
وقوله:
أحقا ترى أن يطول المغيب؟إلى بلد نازح شاسع
ولم ترني أستحقّ الوداعيا لوداد مضى ضائع
وما لك عذر سوى واحدنجوت به من حلى القاطع
وكنت أعدّد أيضا علىأخيك بمؤلمة السامع
ولكن إذا الدجن غطى ذكافما الظنّ بالقمر الطالع؟
وقوله:
أياديك عندي جمّة لا أعدهاكفاك اعتذارا إنني لك عبدها
أمولاي قد أودى العتاب بمهجتيوليس سوى الأعتاب شيء يردها
وقوله في الاستعتاب:
لنا في ذمام الودّ ما يوجب الرضافيعطف مأمول ويرفع منحطّ
وللعفو شرط في الكرام مؤكّدوما في صواب الحكم أن ينقض الشرط
لقد جلّ ذنب ضاق عفوك دونهعلى أنّني ما كان لي قبله سقط
ونافرتني حتى كأنّ خلائقيأفاع، تمجّ السمّ منكرة رقط
وما تكره العتب اليسير سجيتيعلى أنه قد عيب في الشّعر الوخط
توسّط إذا عاينت أمرا فإنهيقال: خيار الأمر أجمعه الوسط
وقوله:
ما مثل حبي لمن أهواه أعلمهولا كوحشته في جانبي مثل
حاشا الوزير أبا مروان أنّ بهفيما امتحنّا به ما ضمّنا السبل
قد هام عشقا بدنيا ليس يعجبهالقى وليست لها في وصله أمل
فرغبة بقرار الضدّ يطلبهاضدّ فهل يلتقي الضدان يا رجل
حينا بإغرام قاضي المصر يطلبهانعم، وبالدين إن ضاقت به الحيل
يبل بالقطر فاه عند ظمأتهفلا عصوب بكفيه ولا بلل
وقوله:
لقد بغتتني كرة البين فجأةبشمس وغصن يستقل به دعص
وما كنت أخشى قبل ذا نفثاتةولكن دهري في تقلبه لصّ
خفيت عن الأبصار والوجد ظاهرفأعجب بأعراض يقين ولا شخص
بحبّ غزال قلبه الصخر قسوةتحيط به من جسمه ناعم رخص
أظنك لو أدركت أيام يوسفلما جاءنا إلا بصورتك النصّ
وقوله:
ليس شيء في الدهر أحلى وأشهىمن عناق يكون يوم تلاق
ليس يدري لذاذة العيش إلامن جرى في ميادن العشاق
وقوله:
لا يشمتن حاسدي إن نكبة عرضتفالدهر ليس على حال بمتّرك
ذو الفضل كالتبر طورا تحت ميفعةوتارة في ذرى تاج على ملك
وقوله:
لئن أصبحت مرتحلا بشخصيفروحي عندكم أبدا مقيم
ولكن في العيان لطيف معنىله سأل المعاينة الكليم
وقوله:
وذي عذل في من سباني حسنهيطيل ملامي في الهوى ويقول:
أفي حسن وجه لاح لم تر غيرهولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له: أسرفت في اللوم طاهراوعندي ردّ - لو أردت - طويل
ألم تر أني ظاهريّ، وأنّنيعلى ما بدا، حتى يقوم دليل
سمعت وأطعت، لقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ اَلْجاهِلِينَ﴾.
وسلّمت وانقدت لحديثه ﷺ: " صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك ".
ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصارا ممن تعرّض لأذاك، إعراضك عنه.
وأقول:
تبغّ سواي امرءا يبتغيسبابك إن هواك السباب
فإني أبيت طلاب السّفاهوصنت محلي عمّا يعاب
وقل ما بدا لك من بعد ذاوأكثر فإنّ سكوتي خطاب
ومن شعره:
من ظلّ يبغي فروع علميروى ولم يدر منه أصلا
فكلّما ازداد فيه سعيازاد لعمري بذاك جهلا
وقد نقل ابن الوحيد الكاتب هذا المعنى من حال إلى حال، وأجاد إذ قال:
جهد المفند في الزمان مضيّعوإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لايدري الطريق فلا يزال مكانه
قال ابن حيان: ويا لبدائع هذا الحبر عليّ، وغرره ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها، وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله ردي العلماء تريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داء لا دواء له.
وأورد أبو عبد الله الحميدي أيضا من شعره قوله:
هل الدهر إلا ما لحقنا وأدركنافجائعه تبقى ولذاته تفنى
إذا أمكنت فيه مسرّة ساعةتولّت كمرّ الطرف واستخلفت حزنا
إلى تبعات في المعاد وموقفنودّ لديه أنّنا لم نكن كنّا
حصلنا على همّ وإثم وحسرةوفات الذي كنا نلذّ به عينا
حنين لما ولّى، وشغل بما أتىوغمّ لما يرجى، فعيشك لا يهنا
كأنّ الذي كنّا نسرّ بكونهإذا حقّقته النفس لفظ بلا معنى
قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يوما: قال أبو نواس:
عرّصن للذي تحبّ بحبّثم دعه يروضه إبليس!
فقل أنت في طريق التحقيق. فقال:
أبن قول وجه الحق في نفس سامعودعه، فنور الحق يسري ويشرق
سيؤنسه رفقا فينسى نفارهكما نسي القيد الموثّق مطلق
ومن شعره أيضا قوله:
أحاجيكم: من قلّد القمر القرطا؟وأسألكم: من ألحف الغصن المرطا؟
فما جزعي إن جاوزا الجزع ظاعناولا ساقط حزني إذا جاوزوا السقطا
ومنها:
وليدة سر المدح تبذخ نخوةوقد عظمت مجدا وقد كرمت رهطا
ولم ترض بالجوزاء عقدا ودملجاولا قنعت بالنجم شنفا ولا قرطا
تقنّصتها والعمر في عنفوانهفلا غصني أحنى ولا لمّتي شمطا
وليل غطا والنجم في الأفق حائرفغطّى على الأعلام منه الذي غطّى
وليس وشاحي غير عضب مهنّدأبى حدّه أن يسأم القدّ والقطّا
تشابه عزمي والحسام وهمّتيثلاثة أسياف بأمثالها يسطى
وقوله:
سرت من لوى خبت إلينا تعسّفمهامه ذات الجهل والجوّ أكلف
[يقول فيها]
تبيت بذي الأرطى وقد بات طيفهالنا صنما نحنو عليه ونعكف
هبيك سريت الليل فرعك أسحموثغرك بسّام، ولحظك أوطف
فأنّى أطقت المشي قدّك مائدوردفك رجراج، وخصرك أهيف
سقى ربعك المألوف حيث تصدّعتلي الكبد الحرّى ربيع وصيّف
فكم لي فيه من جناب وطئتهكريما فلا آسى ولا أتأسّف
وقد شققت فيه البروق جيوبهاوباتت علينا أدمع الغيث تذرف
ليالي بات البان فوق كثيبهعليّ بأنواع الجنى يتعطف
إذا ارتجّ من ردف كثيب مرجرجتأود من قدّ قضيب مهفهف
يمدّ علينا للسحاب سرادقويسحب فينا للجنائب مطرف
ولله درّي ما أدرّ مدامعي؟إذا سجعت ورق على الأيك هتّف
بدا العلم الفرد الذي كنت عالمابه، وسرى العرف الذي كنت أعرف
يذكرني سعداي بالغور ما تنيمساعدة إذ لا صدوفي تصدف
ولله سلمى يوم أهدى سلامهابذي سلم نحوي البنان المطرّف
[ومنها]
وما ظبية أدماء تعرو أراكهاوتعطو وقد وافى برير وعلّف
بأحسن منها يوم ريعت لزورتيفراغت إلى أترابها تتشوّف
وقالت: أما تثنيك رقبة حارسوأنياب ليث في العرينة تصرف؟
ودون الذي أمّلت أجرد سابحوأسمر عرّاص وأبيض مرهف
فقلت لها: بعض الذي بك، فانثنتوأنجز ميعادا بخيل مسوف
ونلت سقاطا من حديث وعاقنيتنزّه حرّ عن خنا وتعفّف
يساعدني تحت النقابين منظرويسعدني تحت اللثامين مرشف
[ومنها]
وركب سروا والليل مرخ عليهمستورا من الظلماء لا تتكشّف
خبطت بهم أكنافه ونجومهروائم أظآر على البدر عكّف
على كل قنعاس كأنّ لغامهوقد سئم الإرقال - قطن مندّف
هدايا خطوب بات ينحرها السرىولكنّها من باطن الخف ترعف
إلى أن أناف الصبح ينفض عرفهوطائره في غرة الفجر يهتف
فما انشقّ إلا عن منادي ابن منذرنذيرا بصرف عاقهم عنه يصرف
[ومنها]
ويا ربّ ميدان أتى فيه سابقاوغودر منكوتا هجين ومقرف
وما نام حتى لمّ مفترق العلافها هي عقد في يديه مؤلّف
إياس) و (بسطام بن قيس) و (حاتمو (قسّ) و (لقمان بن عاد) و (أحنف
وما هذه الأيام إلا مقاولتلت سورا من مجده وهو مصحف
إذا مضر الحمراء أدلت بمجدهاوجرّت ذيول الفخر قيس وخندف
سما لك قحطان ببنيان سؤددينيف على تلك المباني ويشرف
وقال:
أمن البراق التاح برق ما سرىإلا وردّ الأفق مرطا أحمرا
أتبعته نظر المشوق بمقلةلم تدر مذ عهد الأثيلة ما الكرى
عاينته كالصقر صفّق طائرافغدت غرابيب الدياجي نفّرا
وسللت من نار الصّبابة صارماوجررت من وفد التصابي عسكرا
ومشيت منسابا فقل في أرقموضح النهار له فعاد غضنفرا
بتنا، وبات المسك فينا واشيابمكاننا، والحلي عنا مخبرا
ورنت بألحاظ تدير كؤوسهافينا فنشربها حلالا مسكرا
والليل يلحفني سرابيل الدجىجهلا وقد عانقت صبحا مسفرا
لو جئتنا لرأيت أعجب منظرأسد توسّد كفّ ظبي أعفرا
ولقد رأيت من الحمى أعلامهوشككت لما شمته متغيرا
ألا ترى المنصور تحت لوائهتلق ابنه طلق الجبين مظفّرا
أو لا تجد في الحفل عاقد حبوةهودا فإنّا قد وجدنا حميرا
أو تفتقد صمصام عمرو في الوغىفلقد سللنا ذا الفقار مذكرا
لا غرو جئت البحر إذ بخل الحياورأيت يحيى حين لم أر منذرا
فإذا دعونا من يجيب لنكبةلبّت تجيب فخلتها سيلا جرى
شيم غدت قرط الزمان فلم أنمحتى نظمت عليه شعرا جوهرا
لله درّك والرماح شوارعوالبيض تقطع لأمة وسنوّرا
ومقامة لك في الأعادي قد حمتأيام قوم قبلها أن تذكرا
كان اللسان لها الحسام المنتضىوالمنبر العالي الأغر الأشقرا
غادرت أحشاء البنود خوافقافيها ومرّان الوشيج مكسّرا
أنسيتنا جذل الطعان وعامراوعتيبة بن الحارثي ومسهرا
فإذا أتيتك مادحا لك لم يجئشعري ليسأل بل أتاك ليفخرا
غيري الذي اتّخذ المدائح مكسباوسواي من جعل القوافي متجرا
أنا ما شعرت لأن أنبّه خاملالكن لأمنع شاعرا أن يشعرا
قلت: وبنو حزم كلهم سادة نبلاء، وأعيان أجلّاء، أشرقوا إشراق النهار، وتدفّقوا تدفّق البحار.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع