من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو بكر محمد بن داود
(¬*)
نبعة زلال، وطلعة هلال، لو شاء لألان الصخرة الصمّاء، وأماط عن معطف الليل الظّلماء، بألفاظ تروّض الجامح، وتردّ الجانح، لوفور نصيب تحلق على الناطح، وفنون نسيب تحل العصم سهل الأباطح. هذا إلى مدد غزير، وفضل غرير، وعلم لا ينقصه انتهاب الطّلاب، ولا تعرّيه كثرة السّلاب، كضياء المصباح يزيد إذا اقتبس، والماء القراح يطيب إذا حبس، لو رآه سلف العشّاق لتكثر به (كثيّر)، واستسقى منه (ابن مطير)، ولبنى على قواعده بيوت أغزاله (صاحب لبنى)، ورمم (ذو الرمة) ما له من طلل ألفاظ بلا معنى.
حفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وذاكر الرجال بالآداب والشعر، وله عشر سنين، وسمع الحديث من جماعة.
قال أبو بكر الخطيب: لما جلس محمد بن داود الأصبهاني بعد وفاة أبيه
يفتي، استصغروه عن ذلك، فدسوا إليه رجلا، وقالوا له: سله عن حدّ السكر ما هو؟.
فأتاه الرجل، فسأله عن حد السكر، ما هو؟. ومتى يكون الإنسان سكران؟.
فقال محمد: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره المكتوم.
فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم.
وكان يشاهد في مجلسه أربعمائة صاحب محبرة.
وروى بسنده عن رويم بن محمد، قال: كنا عند داود بن علي الأصبهاني، إذ دخل عليه ابنه محمد، وهو يبكي، فضمّه إليه، وقال: ما يبكيك؟.
قال: الصبيان يلقّبوني، قال: فعلى أيش حتى أنهاهم؟. قال: يقولون لي شيئا. قال: قل لي ما هو حتى أنهاهم عن الذي يقولون.
قال: يقولون لي: يا عصفور الشوك.
قال: فضحك داود. فقال له ابنه: أنت أشدّ عليّ من الصبيان، مم تضحك؟.
فقال داود: لا إله إلا الله، ما الألقاب إلا من السماء، ما أنت يا بنيّ إلا عصفور الشوك.
وقال القاضي أبو الطيب الطبري: حدثني أبو العباس الخضري، شيخ كان بطبرستان، قال: كنت جالسا عند أبي بكر محمد بن داود، فجاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة، لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها. ومعنى
قولها: "لا هو ممسكها: أنه لا يقدر على نفقتها".
فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصّبر والاحتساب، ويبعث على التطلب والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، وإلا يحمل على الطلاق.
قال أبو العباس: فلم تفهم قوله، وأعادت فسألته، وقالت له: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟.
فقال: يا هذه! قد أجبتك عن مسألتك. وأرشدتك إلى طلبتك، ولست بسلطان، فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي!. انصرفي رحمك الله.
قال: فانصرفت المرأة ولم تفهم جوابه!!.
وروى الخطيب بسنده، قال: كان أبو بكر بن داود، وأبو العباس بن سريج إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرا ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدّمه أبو بكر يوما، فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟
فقال: إنه إعادة القول ثانيا، وهو مذهبه ومذهب داود، فطالبه بالدليل، فشرع فيه. ودخل ابن سريج؛ فاستشرحهم ما جرى، فشرحوه.
فقال ابن سريج لابن داود: أولا يا أبا بكر - أعزّك الله - هذا قول من من المسلمين تقدمكم فيه؟.
فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي؟، أحسن أحوالهم أن أعده خلافا، وهيهات أن يكونوا كذلك.
فغضب ابن سريج، وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب "الزهرة" أمهر منك في هذه الطريقة.
فقال أبو بكر: وبكتاب "الزهرة" تعيّرني؟، والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن [أحد المناقب لي]، إذ كنت أقول فيه:
أكرر في روض المحاسن مقلتيوأمنع نفسي أن تنال محرّما
وينطق سري عن مترجم خاطريفلولا اختلاسي رده لتكلّما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهمفما إن أرى حبّا صحيحا مسلّما
فقال له ابن سريج: أو عليّ تفخر بهذا القول، وأنا الذي أقول:
ومشاهد بالغنج من لحظاتهقد بتّ أمنعه لذيذ سباته
ضنّا بحسن حديثه وعتابهوأكرّر اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصّبح لاح عمودهولّى بخاتم ربّه وبراته
فقال أبو بكر: أيّد الله القاضي، قد أقرّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادّعى البراءة مما توجبه، فعليه إقامة البينة.
فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقرّ إذا أقرّ إقرارا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولا إلى صفته.
فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان.
فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة!.
وروي أيضا عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم النحوي نفطويه، قال: دخلت إلى أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك؟.
فقال: حبّ من تعلم، أورثني ما ترى!.
فقلت: ما منعك من الاستمتاع به، مع القدرة عليه؟.
فقال: الاستمتاع على وجهين؛ أحدهما: النظر المباح. والثاني: اللذة المحظورة. فأما النظر المباح فأورثني ما ترى. وأما اللذة المحظورة، فإنه منعني منها ما حدّثني به أبي، قال: حدّثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "من عشق، وكتم، وعفّ، وصبر، غفر الله له، وأدخله الجنة".
ثم أنشدنا لنفسه:
انظر إلى السحر يجري في لواحظهوانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضهكأنّهنّ نمال دبّ في عاج
وأنشدنا لنفسه أيضا:
ما لهم أنكروا سوادا بخدّيهـ، ولا ينكرون ورد الغصون؟
إن يكن عيب خدّه بدّد الشعر، فعيب العيون شعر الجفون
فقلت له: نفيت القياس في الفقه، وأثبتّه في الشعر؟!.
فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعوا إليه.
قال: ومات في ليلته، أو في اليوم الثاني، في رمضان، سنة سبع وتسعين ومائتين.
وقال أبو بكر في كتاب" الزهرة "عقيب هذا الحديث: " ولو لم تكن عفة المتحابّين عن الأدناس، وتحاميهما ما ينكر في عرف كافة الناس محرّما في الشرائع، ولا مستقبحا في الطبائع، لكان الواجب على كل واحد منهما تركه إبقاء على ودّه عند صاحبه، وإبقاء على ودّ صاحبه عنده.
ومن شعره، قوله:
أحبّ إليّ من الصبر عنكفؤاد جريح وطرف قريح
إذا ما سألتك عطفا تريحبه مهجتي فأنا المستريح
فلا تنجز الوعد خوف السلوّفإنّي على زفراتي شحيح
ومنه قوله:
بعينيك ما ألقى إذا كنت حاضراوإن غبت، فالدنيا عليّ محابس
إذا لم أنافس في هواك ولم أغرعليك، ففيمن ليت شعري أنافس
فلا تحتقر نفسي وأنت حبيبهافكل امرئ يصبو إلى من يجانس
ومنه قوله:
قدمت قبلك قد والله برح بيشوق إليك، فهل لي فيك من حظّ؟
قلبي يغار على عيني إذا نظرتبقيا عليك، فما أروي من اللحظ؟
ومنه قوله:
جعلت فداك إن صلحت فداءلنفسك نفس مثلي أو وقاء
وكيف يجوز أن تفديك نفسي؟وليس محلّ نفسينا سواء
وقال محمد بن داود: ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتّاب، وبدأت بعمل كتاب "الزهرة"، وأنا في الكتّاب، ونظر أبي في أكثره.
وروى الخطيب عن محمد بن الحسين، قال: كان محمد بن داود، وأبو العباس بن سريج يسيران في طريق ضيّقة، فقال ابن سريج: الطرق الضيقة تورث العقوق، فقال له محمد بن داود: وتوجب الحقوق.
وقال ابن سريج لابن داود في كلام ناظره فيه: عليك بكتاب "الزهرة".
فقال: ذاك كتاب عملناه هزلا، فاعمل أنت مثله جدا.
وقال عبيد الله بن عبد الكريم: كان محمد بن داود خصما لابن سريج، وكانا يتناظران، ويترادّان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داود، نحّى مخادّه، ومساوره، وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب يأكل لسان محمد بن داود!.
وذكر ابن النجّار: أن محمد بن داود صنع خاتما ونقش عليه سطرين:
الأول: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. والسطر الثاني: ﴿فَلا﴾
﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾. وكان إذا رأى رجلا يلحّ بالنظر إلى الأحداث، قال له: اقرأ ما على هذا الخاتم، فينتهي عن ذلك.
ومن شعره أيضا:
حملت جبال الحب فيك وإنّنيلأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماجةولكنّه شيء به الروح تكلف
ومنه قوله في حبيبه محمد بن زخرف:
يا يوسف الحسن تمثيلا وتشبيهايا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شكّ في الحور فلينظر إليك فماصيغت معانيك إلا من معانيها
ما للبدور وللتحذيف يا أملينور البدور عن التحذيف يغنيها
إن الدنانير لا تجلى وإن عتقتولا تزاد على النقش الذي فيها
قال الخطيب: كان ابن داود يميل إلى محمد بن جامع، وبسببه عمل كتاب "الزهرة"، وقيل: إن محمد بن جامع دخل الحمّام، وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة، فنظر إلى وجهه، فغطّاه، وركب إلى محمد بن داود، فلما رآه مغطّى الوجه خاف أن يكون لحقته آفة، فقال: ما الخبر؟. فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته، وأحببت أن لا يراه أحد قبلك!. فغشّي على محمد بن داود.
وكان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشق إلا هو!. وقيل: إن النفقة كانت في كل يوم عشرين دينارا.
وذكر ياقوت الحموي في ترجمة نفطويه زيادة غريبة، وهي أنه قال: دخلت على ابن داود، وذكر القصة التي تقدّمت، والحديث، قال نفطويه: ثم غشّي عليه ساعة، وأفاق ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلقك قد سكن!، وعرق جبينك قد انقطع، وهذه أمارة العافية. فأنشأ يقول:
أقول لصاحبيّ وسلّيانيوغرّهما سكون حمى جبيني
تسلّوا بالتعزّي عن أخيكموخوضوا في الدعاء وودّعوني
فلم أدع الأنين لضعف سقمولكنّي ضعفت عن الأنين
ثم مات من ليلته، فيقال: إن نفطويه انفجع عليه، وجزع جزعا شديدا، ولم يجلس للناس سنة كاملة، ثم ظهر بعد السنة، فجلس. فقيل له في ذلك؟.
فقال: إنّ أبا بكر بن داود قال لي يوما، وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء - فقال لي: أقلّ ما يجب للصديق أن يحزن على صديقه، عملا بقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكماومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فحزنّا عليه سنة، كما شرط.
وذكر ابن السمعاني: أن ابن جامع معشوق ابن داود قال: دخلت على المتقي بالله أمير المؤمنين، فسألني عن أبي بكر بن داود، هل رأيت منه ما تكره؟.
قلت: لا يا أمير المؤمنين، إلا أنّي بتّ عنده ليلة، فكان يكشف عن وجهي، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني لأحبه، وإني لأراقبك فيه.
قال: فما بلغ من رعايتك من حقه؟.
قلت: دخلت الحمّام، فلما خرجت، نظرت في المرآة، فاستحسنت صورتي فوق ما أعهد، فغطيت وجهي وآليت أن لا ينظر إلى وجهي أحد قبله. وبادرت إليه، فكشف وجهي، ففرح، وسرّ، وقال: سبحان خالقه ومصوره!. وتلا: ﴿هو﴾
﴿اَلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اَلْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾.
وذكر ابن النجّار: أنّ ابن سريج كانت له جارية توقظه بالليل للمطالعة، فلما مات ابن داود، جاءت الجارية لتوقظه، فقال لها: ويلك الذي كنّا نسهر لأجله قد مات!.
وهذه نبذة يسيرة من كتاب: "الزهرة": -
"أطال الله في العزّ الدائم بقاك، وصان عن غير الأيام نعماك، وجعلني غرضا للنوائب فداك، وقدّمني إلى ورود الحمام قبلك [وابقاك].
أما بعد: أدام الله الرغبة إليك، وجعل معتمد أوليائك عند المهمّات لديك، فإني وإن بخل عليّ الزمان بوفائك، ونافستني الأيام فيما أعتصم به من جميل إخائك، لمنطو من المودة لك، والثقة بك، والرعاية لحقّك، والأنس بقربك، على حال تفنى الأوصاف دون فنائها، وتنقضي الآجال قبل انقضائها، ولن يعدل بي [شكوى] ما شكوت وجوده من تواتر جفائك، وألمت لفقده من صحة وفائك، عن المسارعة إلى طاعتك، والوقوف عند محبتك، فإنّ من حسن وداده قبح استفساده، ومن صحّت مودّته وجبت طاعته، ولست أفعل ذلك.
قدّمني الله قبلك وقاء لك، بدلا من وفائك، ولا مجازاة لك على عدلك وإحسانك، ولا ملتمسا به الذريعة إليك، ولا متفضّلا به عليك، لأنّ من دعاه [إلى الوفاء لصاحبه وفاؤه، دعاه إلى الغدر جفاه، ومن دعاه] العدل إلى الإنصاف دعاه الجور إلى الانتصاف، ومن دعاه إلى فعل المكرمات رغبة في المجازاة، دعاه إلى تركها ظفرة بأمنيته، أو يأسه من لحاق طلبته.
وكيف يكون متفضّلا عليك من ليست له فضيلة إلا وهي مردودة إليك، ولئن حرمت العلم بفضلك علي، مع ما حرمته من رغبتك فيّ، وميلك إلى، لقد حرمت حظا جزيلا، وخيرا كثيرا، ولكن السبب الباعث لي على طاعتك، والمذلّل لي عند سطوتك، والباسط إليّ العذر فيما تجنيه، والمعدل لك عليّ فيما تدّعيه، سبب يلطف عن أن يعاين بالإبصار، ويدقّ عن أن يدرك بالفحص والاعتبار. إن رمت إخفاءه وجد، وإن حاولت إظهاره فقد، فهو شيء منعني عن وصف جنسه اشتغالي به في نفسه، وتقطّعني مسامرته عن المسامرة [به]، ويعوقني التفرد بمغازلته عن التعرض بصفاته، كما قال بعض أهل هذا العصر:
ينسى الهوى وصفه من حلّ ذروتهكالأرض يشغل عنها من ثوى فيها
لا أقول: شيئا وقع لي اضطرارا، فأقرّ بأنّي لم أكن مختارا، ولا أقول:
أوسعته لنفسي اكتسابا، فأكون إذ نفيته عن نفسي كذابا، ولا أزهد فيه
فأرغب في سواه، ولا يفارقني فأتمناه، محلّه من الروح محل الروح من الجسد، لا يدري الجسد ما الروح فيسرّ إذ جعل وعاه، ويحزن إذ لم يستودع سواه. وقد وقفت على ما وصفته من تصاريف الزمان، وخيانة الإخوان. واعلم أيدك الله - أنّ من عجيب ما تحضره الأيام، وتجول به الأوهام: ظالم يتظلّم!، وغابن يتندّم، ومطاع يستظهر، وغالب يستنصر.
ما الذي تنكر - أدام الله عزك، وبسط بالخير يدك - من تغيّر الزمان، وأنت من أحدّ مغيّريه؟، ومن جفاء الإخوان وأنت المقدم فيه؟. أنت بأن تحتج له وتعتذر لفاعليه أولى منك أن تعيبه، وتذم مستعمليه … ".
إلى أن قال: (من كثرت لحظاته دامت حسراته) (العقل عند الهوى أسير، والشوق عليهما أمير) (من تداوى بدائه لم يصل إلى شفائه) (ليس بلبيب من لم يصف ما به للطبيب) (إذا صحّ الظفر وقعت الغير) (التذلّل للحبيب من شيم الأديب) (من طال سروره قصرت شهوره) (من كان ظريفا فليكن عفيفا) (ليس من الظرف امتحان الحبيب بالوصف) (سوء الظن من شدة الضّن) (من وفى له الحبيب هان عليه الرقيب) (من منع بكثرة الوصال قنع بقليل النوال) (من حجب عن الأحباب تذلّل للحجاب) (من منع من الوصول اقتصر على الرسول) (من أحبّه أحبابه وشى به أترابه) (من لم يعاتب على الزّلّة فليس بحافظ للخلة) (من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق أن يملّه ويقلاه)
(بعد القلوب على قرب المزار أشد من بعد الديار [من الديار]) (ما عتب من اغتفر ولا أذنب من اعتذر) (إذا ظهر الغدر سهل الهجر) (من راعه الفراق ملكه الإشفاق) (قلّ من سلا إلا غلبه الهوى) (من غلبه هواه على الصبر صبر لمن يهواه على الغدر) (من تجلّد على النّوى فقد تعرّض للبلوى) (في الوداع قبل الفراق بلاغ إلى وقت التلاق) (ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق) (من غاب قرينه كثر حنينه) (من لم يلحق بالحمول بكى على الطلول) (من قصر عن مصاحبة الجار لم ينفعه مساءلة الدار) (من منع من البراح تشوق بالرياح) (في لوامع البروق أنس للمستوحش المشوق) (في تلهّب النيران أنس للمدنف الحيران) (في نوح الحمام أنس للمتفرد المستهام) (من امتحن من المفارقة والهجر اشتغل فكره بالعيافة والزجر) (في حنين البعير المفارق أنس لكل صبّ وامق) (من فاته الوصال نعشه الخيال) (من منع من النظر استأنس بالأثر) (من حجب عن الأثر تعلّل بالذكر) (مسامرة الأوهام والأماني تنسب إلى العجز والتواني) (من قصر نومه طال ليله) (من غلب عزاؤه كثر بكاؤه) (نحول الجسد من دلائل الكمد) (طريق الصدّ بعيد وكتمان الحب شديد) (من غلب صبره ظهر سره) (من لم يقع له الهوى باكتساب لم ينزجر بالعتاب) (من قدم هواه قوي أساه) (من شابت ذوائبه جفاه حبائبه) (من يئس ممن يهواه فلم يتلف من وقته سلاه) (لا يعرف المقيم على العهد إلا عند فراق أو صد)
(قليل الوفاء بعد الوفاة أجل من كثيره وقت الحياة).
وقال أيضا: "الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر يوجبه البغض المتمكن في القلوب.
فأما هجر الدلال: فهو ألذّ من كثير من الوصال.
وأما هجر الملال: فيبطله مرّ الأيام والليال. إما بنأي الدار، وإما بطول الاهتجار.
وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب: فالتوبة تذهبه من القلب.
وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي: فهو الذي لا دواء له.
قال ابن داود: حدّثتني مريم الأسدية، قالت: سمعت امرأة عقيلية تقول وهي على بعير لها تسر:
سقينا سلوة فسلا كلاناأزال الله نعمة من سقانا
قالت مريم: فسألتها عن هواها، فقالت: كنت أهوى ابن عمّ لي، ففطن لي بعض أهل الحي، فسقوني وإياه شيئا، فسلا كلّ واحد منا عن صاحبه.
قال ابن داود: وهذه حال قلّ ما يقع مثلها، وهي ألطف محلّا من كل ما ذكرناه قبلها، وما نذكره بعدها. لأنّا [إنما] نصف من آثر المقام مع من يهواه على السلو عنه، والراحة من أذاه، [وهو بعد مقيم في هواه].
وصاحبة هذا البيت تسلّت عن محبوبها، وإنما تتأسّى على العشق لا على المعشوق.
وفي هذا النحو يقول بعض الهذليين:
إذا ما سألتك وعدا تريحبه مهجتي فأنا المستريح
فلا تعطني الوعد خوف السلوفإني على حسراتي شحيح
أحبّ إليّ من الصبر عنكفؤاد قريح وقلب جريح
ولقد أحسن الوليد بن عبيد، حيث يقول:
ويعجبني فقري إليك ولم يكنليعجبني - لولا محبتك - الفقر
وما لي عذر في جحودك نعمةولو كان لي عذر لما حسن العذر
وأحسن الذي يقول:
وما سرّني أنّي خليّ من الهوىعلى أن لي ما بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحبّ ذنبي إليكمفلا غفر الرحمن ذلك من ذنب
وأحسن أيضا الذي يقول:
أحببت قلبي لما أحبكموصار رأيي لرأيه تبعا
وربّ قلب يقول صاحبهتعسا لقلبي، فبئس ما صنعا
قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار، لجميل:
خليليّ!، فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟
فلو تركت عقلي معي ما تبعتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
قال أبو بكر: وهذا المعنى الذي في البيت الثاني داخل فيما عيّنّاه من أن
من أقبل على من يهواه ما دام مفتقرا إليه، فليست له في ذلك منة عليه.
وقال أبو بكر: " أصل الهوى يتولّد من النظر والسماع، ثم يقوى حالا بعد حال، فإذا كان النظر الصاحي إلى الصورة التي يستحسنها طرفه مؤكدا للمنظور إليه المحبة في قلبه، كان نظر المحب بعد تمكن المحبة له أحرى أن يغلبه على لبه، ويزيده كربا على كربه، ألا ترى أنّ من حمّ يومين متواليين كان ألمه في الثاني من اليومين إذا تساوى مقدار الحمّيين أصعب إليه في أول اليومين؟.
وفي ذلك يقول غيلان بن عقبة:
خليليّ لما خفت أن تستفزّنيأحاديث نفسي بالهوى واهتمامها
تداويت من ميّ بتكليمة لهافما زاد إلا ضعف شوقي كلامها
وقال أيضا: إن تقصير المحبوب عن مواصلة محبه، وتراخيه عن إظهاره على كل ما له في قلبه، إنما يتولدان عن وقوع الثقة به، فربّما جهل المحب على نفسه، فتوهّم أن ذلك داخل في باب الخيانة والغدر، فكافى عليه بالانحراف والهجر، فيجني على نفسه ما لا يتلافاه العذر، ولا يقاومه الصبر، والحازم من صبر على مضاضة التدلل، والتمس العز في استشعار التذلل، فحينئذ يتمكن من وداد محبوبه، ويظفر من هواه بمطلوبه.
قال الحسن بن هانئ:
يا كثير النوح في الدّمنلا عليها بل على السّكن
سنّة العشّاق واحدةفإذا أحببت فاستكن
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لست من ظالمتي منتصفاقبّح الله محبا ينتصف
وفتاة إن تغب شمس الضحىفهي للناس من الشمس خلف
أجمع الناس على تفضيلهاوهواهم في سواها مختلف
وقال الوليد بن عبيد البحتري:
منّي وصل ومنك هجروفيّ ذلّ، وفيك كبر
عذّبني حبّك المعنّىوغرّني منك ما يغرّ
قد كنت حرا وأنت عبدفصرت عبدا، وأنت حرّ
يا ظالما لي بغير جرمإليك من ظلمك المفرّ
أنت نعيمي وأنت بؤسيوقد يسوء الذي يسرّ
وقال أبو تمام الطائي:
ظنّي به حسن لولا تجنّيهوأنه ليس يرعى عهد حبّيه
عمّت محاسنه عني إساءتهحتى لقد حسنت عندي مساويه
تاهت على صورة الأشياء صورتهحتى إذا خضعت تاهت على التيه
وقال أبو بكر: "من سامحته الأيام لمحابّه، ورزق حسن الوفاء والمساعدة من أحبابه، ما يجب عليه في حدود الظرف، دون ما يجب من رعاية حقوق الإلف، أن يقابل نعم الله عليه، بما يوجب المزيد فيها لديه، فإن لم يفعل ذلك فلا ينبغي له أن يتعرض لأسباب المهالك، وليعلم أن وصف ما في صاحبه من الخصال
المرتضاة مغر بمن علمها بالمشاركة له في هواه، ولقد أحسن الذي يقول:
ولست بواصف أبدا خليلاأعرّضه لأهواء الرجال
وما بالي أشوّق عين غيريإليه ودونه ستر الحجال
كأني آمن الشركاء فيهوآمن فيه أحداث الليالي
وأحسن أيضا الذي يقول:
أصونك أن أدلّ عليك وهمالأنّ الظنّ مفتاح العيوب
وما قصّر علي بن محمد العلوي حيث يقول:
ربّما سرّني صدودك عنيوتأبّيك وامتناعك مني
ذاك ألا أكون مفتاح غيريوإذا ما خلوت كنت التمنّي
وقال أبو بكر: زعم بعض المتفلسفين: أن الله ﷿ خلق كل روح مدوّرة الشكل على هيئة الكرة، ثم قطعها أنصافا، فجعل في كل جسد نصفا، فكل جسد لقي النصف الذي قطع من النصف الذي كان معها، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة، وتقارب أحوال الناس في ذلك بين القوي والضعيف، على حسب رقة طبائعهم.
وقد قال جميل بن عبد الله العذري، أو قيس بن ذريح في ذلك:
تعلق روحي روحها قبل خلقناومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد
فزاد كما زدنا، فأصبح نامياوليس إذا متنا بمنتقض العهد
ولكنّه باق على كل حالةوزائرنا في ظلمة القبر واللحد
وحكي عن أفلاطون أنه قال: لا أدري ما الهوى؟. غير أني أعلم أنه جنون إلهيّ لا محمود ولا مذموم.
وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاثة مساكن: التخييل: وهو في مقدّم الرأس. والفكر:
وهو في وسطه. والذكر: وهو في مؤخره. وليس يكمل لأحد اسم عاشق حتى يكون إذا فارق من يعشقه لم يخل من تخييله، وفكره، وذكره. وقلبه وكبده، فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ، والتخييل والذكر له، والفكر فيه، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقا، فإذا لقيه خلت هذه المساكن.
قال أبو بكر: ولعمري لقد أحسن فيما وصف، واحتجّ لما قال فانتصف، غير أنه ذكر حال العاشق وحده، وترك ذكر أحوال ما قبله، [وأحوال ما بعده] وذلك: أن الأحوال التي تتولّد عن النظر والسماع والاستحسان والنظر تختلف في باب العظم والصغر، فأول ما يتولد عن السماع الاستحسان، ثم يقوى، فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ودّ إنسانا ودّ أن يكون له خلا، ومن ودّ غرضا ودّ أن يكون له ملكا، ثم تقوى المودة فتصير محبة، والمحبة سببا للطاعة، وفي ذلك يقول محمد الوراق:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّههذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتهإن المحبّ لمن أحبّ مطيع
ثم تقوى المحبة، فتصير خلّة، والخلة بين الآدميين أن تكون محبة أحدهما قد تمكنت من صاحبه، حتى أسقطت السرائر بينه وبينه، فصار متخلّلا لسرائره، ومطّلعا على ضمائره.
وفي هذا النحو يقول بعض أهل العصر:
فلا تهجر أخاك بغير جرمفإنّ الهجر مفتاح السلوّ
إذا كتم الخليل أخاه سرافما فضل الصديق على العدوّ؟
ويقال: إن الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلّل المودة بين اللحم والعظام، واختلاطهما بالمخ والدم، وهذا المعنى غير مخالف للأول، بل هو أوضح سبب له، لأنّ من حلّ [من النفس] هذا المحل لم يستبد عنه بأمر ولم يستظهر عنه بسر.
وقد أنشدوا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا المعنى:
تغلغل حب عثمة في فؤاديفباديه مع الخافي يسير
[شققت القلب ثم ذررت فيههواك فليم، فالتام الفطور]
توغّل حيث لم يبلغ شرابولا حزن ولم يبلغ سرور
[غني النفس أن أزداد حباولكني إلى وصل فقير]
قال أبو بكر: ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى، والهوى اسم لانخراط المحب
في محاب المحبوب، وفي التوصل إليه بغير تمالك ولا ترتيب.
وقال أيضا: ذكروا أن قيس بن الملوّح المجنون العامري، رقد ليلة تحت شجرة فانتبه بتغريد طائر، فأنشأ يقول:
لقد هتفت في جنح ليل حمامةعلى فنن تدعو وإني لنائم
فقلت اعتذارا عند ذاك وإنّنيلنفسي فيما قد رأيت للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابةبليلى ولا أبكي وتبكي الحمائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقالما سبقتني بالبكاء الحمائم
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع