تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الرحمن بن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة

(¬*)

قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين، أبو الفرج، المقدسي، الحنبلي.

شمس عصره التي ذهبت وأبقت شعاعا منها يخلفها، وواحد دهره الذي أمن أيامه وهو يخوفها، أوسع زمانه صلاحا، وولي الحكم فأسكت من لاحى، وكان

يجلس فوق الشافعي صاحب المنصب، ويهمي حتى على ربعه المخصب، وكان خيرا كله، وسحابا في كل مكان يحله، لا جرم أن أيامه انقضت أقصر من جناح الذبابة، وأقرب مما بين الوسطى والسبابة، ويقال: إنه كان يحكم على الجان!، ويحكى عنه في هذا مثل حكايات المجّان، وعلى الجملة كان فردا لا يخلف، ولابس حلل فخار مثلها لا يخصف، لعلم مغدق، وعمل مصبح ومغبق، وكرم مليء الوفاض، وخط كوشي الرياض، إلى رأفة أندى من السحاب، وبصيرة أهدى من الشهاب، وورع عفّ به عن أكثر الحلال، وزهد كان لا يرى الإكثار إلا في الإقلال، فما عدا سيرة السلف، ولا عدا طريقة الاقتصاد خوفا من السرف.

مولده: سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وسمع حضورا قبل الستمائة، وسمع من حنبل المسند كله، وأكثر عن ابن طبرزد، وتلك الطبقة، وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وتفقّه بعمه الشيخ موفق الدين، وعرض عليه" المقنع "، وعمل له شرحا في عشر مجلدات.

وكان كبير الشأن، بعيد الصّيت، منقطع القرين، له وقع في النفوس، ومحبة في القلوب، جميل الصورة، حسن البشر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كثير التعبد والصيام، والتهجد والسكينة والتودد، وحسن الأخلاق والصفات الحميدة، قلّ أن ترى العيون مثله، ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مشربا بحمرة، واسع الوجه، أزجّ الحاجبين، أقنى، أشهل، رقيق البشرة، كثّ اللحية، مقتصدا في ثيابه، صغير العمامة، يرسل

عذبته بين يديه، يدخل إلى البلد للفصل بين الخصوم، فيركب دابته، وكان يقوم الليل ويصلّي الضحى، وبين العشاءين، ويبلغه الأذى فيغضي ويحلم، فقلّما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة فيفرقها على الفقراء والتلاميذ، وحجّ ثلاث مرات، وغزا عدة غزوات، نوبة صفد، ونوبة الشقيف، وحصن الأكراد، قد جمع الله الألسنة على تعظيمه، وتوقيره، وولي القضاء اثنتي عشرة سنة، لم يتناول عليه رزقا، ثم تركه.

قال الفخر أبو محمد عبد الرحمن البعلبكي: أعرفه منذ خمسين سنة ما رأيته غضب.

وكان الشيخ محيي الدين النووي يقول: هو أجلّ شيوخي.

وقد أثنى عليه الموافق والمخالف. توفي شهيدا بالبطن، في سلخ ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة، عن خمس وثمانين سنة، وأربعة أشهر. وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يفوت الإحصاء، ورثته الشعراء بعدة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون.

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: رأيت وفاته بخط شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقا حقا، وفريد العصر صدقا صدقا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، البريء عن جميع النقائص والمساوي، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والخلق، ذو الأخلاق الزكية، والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع، واللطف والترفق، وحسن النية، وطيب الطوية، حتى إن كان المتعنّت يطلب له عيبا فيعوزه، إلى أن قال: وبكت

عليه العيون بأسرها، وعمّ بمصابه جميع الطوائف، وسائر الفرق، فأي دمع ما انسجم، وأي أصل ما جذم، وأي ركن ما هدم، وأي فضل ما عدم، يا له من خطب ما أعظمه، وأجل ما أقدره، ومصاب ما أقحمه، وأكثر ذكره.

وفي الجملة فقد كان الشيخ أوحد العصر في أنواع الفضائل، هذا حكم مسلّم من جميع الطوائف، وكان مصابه أجلّ من أن تحيط به العبارة؛ فرحمه الله ورضي عنه.

[وحكى لي من أثق به: أن الملك الظاهر بيبرس، لما خرج إلى بلاد الروم، جعل طريقه بمدينة دمشق على الجسر الأبيض، حتى أتى الجامع المظفري، ونزل به، والشيخ جالس به، يريد وداعه، ليكون آخر عهده به، فأتى إليه، وجلس بين يديه، وأمسك يده، والشيخ يتأبّى، ثم لم يزل به حتى قبّلها، وأمرّها على عينيه، ثم سأل منه الدعاء، وخرج لوقته، فركب وانطلق].

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.