تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن الحسين، بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، أبو يعلى

(¬*)

القاضي والإمام الذي حمد من زمانه الراضي، بحر العلم الزاخر العباب، الفاخر الدرر على مباسم الحبائب والحباب، لم يجمع طرفا عصره مثله، وإن ذهب بكرا وأصالا، وأبى ليله [نصولا] ونهاره إلا نصالا.

أعاد عصر الإمام الشيباني مقبلا، وقد شابت اللمم، وشانت معايب العجز الهمم، ونال من أكرومة الخلفاء ما كان ببره جديرا، وعلى شكره قديرا.

كان عالم وقته، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له في

الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المجلس السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين: القادر، والقائم ﵄. وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون، ويدرّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعوّلون، والفقهاء - على اختلاف مذاهبهم وأصولهم - كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون، ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالائتمام به يقتدون، وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهبه، واختلاف الروايات عنه، وما صحّ لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد، والورع، والعفة، والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بتسطير العلم وبثّه، وإذاعته.

ولما خرج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة، سأله محمد بن علي المقرئ: على من يدرس؟. وإلى من يجلس؟. فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى.

وكان لابن حامد أصحاب كثير، فتفرّس في أبي يعلى ما أظهره الله تعالى عليه.

وكان فيه صبر على المكاره، واحتمال لما يلحقه من عدوّ، وزلل إن جرى من صديقه، وتعطّف بالإحسان على الكبير والصغير، ويصطنع المعروف مع القاصي والداني، ويجري على سنن الإمام أحمد حذو القذة بالقذة، ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة، ونبلا، وعلما، وفضلا.

وحضر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة في دار الخلافة، في أيام القائم بأمر الله، مع الجم الغفير، والعدد الكثير، مع أهل العلم لفساد قول أجري من المخالفين لمّا

شاع قراءة كتاب: "إبطال التأويلات"، فخرج إلى أبي يعلى من القائم بأمر الله، الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده أبو يعلى.

وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب: "إبطال التأويلات" ليتأمل، فأعيد إلى أبي يعلى، وشكر له تصنيفه، فقرئ ذلك الاعتقاد الذي خرج من عند الخليفة القائم، والقارئ قائم على قدميه، والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين، من أهل العلم والفقهاء، على اختلاف مذاهبهم، وجعلت كالشرط المشروط.

فأول من كتب: الزاهد أبو الحسن القزويني،: "هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادي، وعليه اعتمادي". ثم كتب أبو يعلى بعده، وكتب القاضي أبو الطيب الطبري، وأعيان الفقهاء من بين موافق ومخالف، فلما أرادوا النهوض التفت ابن القزويني إلى أبي يعلى، وقال: كما في نفسك؟. فقال أبو يعلى: الحمد لله على ما تفضّل به من إظهار الحق. فقال ابن القزويني: لا أقنع بهذا، وأنا أحضر بجامع المنصور، وأملي أحاديث الصفات.

فحضر القزويني جمعات مترادفات بجامع المنصور، وأملى أخبار الصفات ناصرا لما سطّره أبو يعلى.

توفي أبو يعلى ليلة الاثنين بين العشاءين، تاسع عشر شهر رمضان، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وصلّى عليه ولده أبو القاسم، وحضره جمع، ولحقهم حرّ شديد، فأفطروا جماعة، لم يسمحوا بالرجوع.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.