من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد
(¬*)
العالم، الناسك، الورع، والسالك على ما نصّ الشارع ﷺ وما شرع، طرقت فتاويه المشارق والمغارب، وطرّزت حلل النهار وأردية الغياهب، وتناقلت فضائله الركائب، وكانت أحاديثه تتحدّث بها السّمّار على عيسها، وتؤنس بها الفيافي في إقالتها وتعريسها.
كان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان: قبل الصلاة للفتوى على مذهب أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث. اتّسعت روايته، وانتشرت أحاديثه
ومصنفاته.
قال أبو علي الصواف: كان أحمد بن سلمان يجيء معنا إلى المحدّثين، ونعله في يده. فقيل له: لم لا تلبس نعلك؟. قال: أحبّ أن أمشي في طلب حديث رسول الله ﷺ وأنا حاف!.
فلعلّه ذهب إلى قوله ﷺ: " ألا أنبئكم بأخفّ الناس حسابا يوم القيامة بين يدي الملك الجبار؟. المسارع إلى الخيرات ماشيا على قدميه حافيا، أخبرني جبريل أن الله تعالى ناظر إلى عبد يمشي حافيا في طلب الخير ".
وقال أبو إسحاق الطبري: كان النجّاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك منه!. فإذا كان ليلة الجمعة تصدّق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها.
وكان إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق بابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته.
وقال أبو بكر النجّاد: ضقت وقتا من الزمان، فمضيت إلى إبراهيم الحربي، فقصّيت له قصتي. فقال لي: اعلم، أنّني ضقت يوما حتى لم يبق معي إلا قيراط!، فقالت الزوجة: فتّش كتبك، وانظر ما لا تحتاج إليه، فبعه!. فلما صليت عشاء الآخرة، جلست في الدهليز أكتب، إذ طرق عليّ الباب طارق.
فقلت: من هذا؟. فقال: كلّمني. ففتحت الباب فقال لي: أطف السراج.
فطفيته، فدخل الدهليز، فوضع فيه كارة، وقال لي: اعلم أننا أصلحنا
للصبيان طعاما، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيها نصيب، وهذا أيضا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة، وقال: اصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل!، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة، وقلت لها: أسرجي، فأسرجت، وجاءت، وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسطا، في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار!.
قال النجّاد: فقمت من عنده، ومضيت إلى قبر أحمد، وزرته، ثم انصرفت، فبينا أنا أمشي على جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا، فقالت لي:
أحمد!، فأجبتها. فقالت: مالك مغموم؟. فأخبرتها. فقالت: اعلم أنّ أمك أعطتني قبل موتها [ثلاثمائة درهم]، وقالت: أخبئي هذه عندك. فإذا رأيت ابني مضيّقا، مغموما، فأعطيه إياها. فتعال معي حتى أعطيك إياها!. فمضيت معها، فدفعتها إليّ.
توفي - وقد كفّ بصره - ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
وعاش خمسا وتسعين سنة. ودفن عند بشر الحافي.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع