من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البربهاري " "
" (¬*)
كان حيث سار تبعته الرعية، وحيث أشار كلمته مرعيّة، وكان حبّه مغناطيس القلوب، وذكره عطر الأفواه والجيوب، ولذلك ما جأر ابن المعتز حين أراد استنهاض العامّة إلا باسمه الذي صرخ به مناديه، وصرف الأنصار إلى ناديه، حتى كاد يتم أمره لو ساعده القدر، وساعفه الحظّ الذي كسف الشمس وخسف القمر.
وكان لا يرى بعد ابن حنبل إلا بدلا من إمامه، وخلفا منه إن وصل أحد بعده إلى مقامه.
كان شيخ الطائفة، ومتقدّمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم، باليد واللسان.
وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب.
وكان أحد الأئمة العارفين، والحفّاظ للأصول المتقنين، والثقات المأمونين.
صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم: المرّوذي، وصحب سهلا التّستري، وصنّف كتاب: " شرح السّنّة "، وتنزّه عن ميراث أبيه، عن سبعين ألف درهم.
وكانت له مجاهدات، ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدة وعشرين وثلاثمائة، في خلافة القاهر، تقدّم الوزير ابن مقلة، بالقبض على البربهارين فاستتر، وقبض على جماعة من أكابر أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله ابن مقلة على ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة، وعزله القاهر عن الوزارة، وطرح في داره النار، وقبض على القاهر يوم الأربعاء لستّ خلون من جمادى الآخرة، سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع، وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جميعا؛ فعمي.
ثم تفضّل الله وأعاد البربهاري إلى حشمته، وزادت، خصوصا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، علت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، حتى إنه اجتاز بالجانب الغربي، فعطس، فشمّته أصحابه، فارتفعت ضجّتهم حتى سمعهم الخليفة، وهو في روشنه، فسأل عن الحال؟ فأخبر بها.
فاستهولها، وذلك أيام الراضي.
ثم لم يزل المبتدعة يثقلون قبل الراضي على البربهارين فتقدّم الراضي إلى بدر الحرسي، صاحب الشرطة، بالركوب والنداء ببغداد: أن لا يجتمع من أصحاب
البربهاري نفسان!. فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي، بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترا، فتوفّي في الاستتار، في رجب، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وكان قد اختبأ عند أخت توزون، بالجانب الشرقي، فبقي نحوا من شهر، فلحقه قيام الدم. فقالت لخادمها - لما مات البربهاري -: انظر من يغسّله؟ فجاء بالغاسل، فغسّله، وغلّق الباب حتى لا يعلم أحد، ووقف يصلي عليه وحده، فاطّلعت صاحبة الدار، فرأت الدار ملأى رجالا بثياب بيض خضر، فلمّا سلّم لم تر أحدا!. فاستدعت الخادم، وقالت: أهلكتني مع أخي!.
فقال: رأيت ما رأيت؟.
فقالت: نعم.
فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق.
فقالت: ادفنوني في بيتي، وإذا متّ فادفنوني عنده. فدفنوه في دارها، وماتت بعده بزمان، فدفنت في ذلك المكان، ومضى عليه الزمان، وصار تربة يزار.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع