من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو جعفر
(¬*)
الشريف العباسي، والمنيف الطّود الراسي، من آل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم، وأطلعهم على سرائر العلم وأظهرهم.
وبلغ من المقتدي بالله مبلغا كان به حجة المعتدي، ونجم المهتدي، ومزنة السحاب التي تشافه الروض الندي، قلّ أن وجد له مثال، أو بلغ له منال، أو عرف وجه في المذهب إلا وله فيه مقال.
مولده: سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
درس الفقه على القاضي أبي يعلى، وأعاد الدروس في الفروع، وأصول الفقه، فبرع في المذهب، ودرّس، وأفتى في حياة شيخه، وكان مليح التدريس، جيّد الكلام في المناظرة، عالما بالفرائض وأحكام القرآن والأصول، صنّف رؤوس المسائل، وغير ذلك.
وكان يدرّس في مسجد بدرب [سكة الخضري]، وبجامع المنصور، ثم
انتقل إلى الجانب الشرقي، فدرّس في المسجد المعروف به مقابل دار الخلافة.
وكان إذا بلغه منكر عظم عليه ذلك جدا، وعرف فيه الكراهة الشديدة، وكان شديد القول على أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم، ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يده عنهم أحد.
ثم انتقل إلى الرصافة، وسكن درب الديوان، ودرّس بجامع المهدي، وبالمسجد الذي برأس درب الديوان، وكان يجلس للنظر في كل يوم اثنين، ويقصده جماعة من فقهاء المخالفين.
وهو الذي غسّل أبا يعلى ابن الفراء، وغسّل القائم بأمر الله بعد وفاته.
وكان قد أوصى له الخليفة بأشياء كثيرة من المال والثياب فأبى أخذها، فقيل له: خذ قميص أمير المؤمنين تتبرك به. فأخذ فوطة نفسه، فنشف بها الإمام القائم، وقال: قد لحق هذه الفوطة وهي ملكي بركة أمير المؤمنين، ولم يأخذ القميص.
وبلغ من قدره ومحلّه عند الإمام المقتدي بأمر الله، أنه لما فرغ من غسل القائم لم يؤذن له في المصير إلى منزله حتى بايع الناس المقتدي بأمر الله على الاجتماع، واستدعاه لبيعته منفردا، خاليا به، وبايعه. ثم قال له الشريف في جملة كلامه:
إذا سيّد منّا مضى قام سيدقؤول بما قال الكرام، فعول
ثم أذن له بالمضيّ إلى منزله بعد بيعته.
توفي في نصف صفر، سنة سبعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، وحضره جمع يفوت الإحصاء، وأخذ الناس من تراب القبر شيئا كثيرا للتبرك، ولزموا قبره ليلا ونهارا مدة طويلة، يقرؤون الختمات، وقرئ على قبره في مدة شهور ألف ختمة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع