من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال
(¬*)
إمام له صدر المحراب، وسرّ الصّواب، والواحد الذي إذا تكلّم في السنّة أزال العتاب، وإذا قال، قال الذي عنده علم من الكتاب، رأس طائفته ورئيسها، وفريدها الذي تهدى إليه سفنها وتحدى عيسها.
جدّد مذهب إمامه وما أخلق، ووصل به سببه وهو بالسماء معلّق.
حدّث عن جماعة، وروى عنه خلق، وكان موثوقا به في العلم، متّسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، مذكورا بالعبادة.
له المصنّفات في العلوم المختلفة، ك" تفسير القرآن "، والفقه، و: " الخلاف مع الشافعي "، وغير ذلك.
وقال أبو يعلى: كان ذا دين، وأخا ورع، علّامة، بارعا في علم المذهب.
ثم ذكر مكانته في النفوس، وتقدّمه عند السلطان، وذكر: أن أبا بكر ذكر عند أخت معزّ الدولة بسوء!، وأنّه تغمّص من علي ﵁.
فاستدعته، وجمعت المتكلّمين لمناظرته.
فكان صوته عاليا عليهم، وحجّته ظاهرة لديهم. وأخت معزّ الدولة بحيث تسمع كلامه، حتى شهدت له بالفضل، وكان منها الإنكار عليهم فيما كذبوه عليه، وأضافوه إليه، وبذلت له شيئا من المال، فامتنع من قبوله، مع خفة حاله، وقلّة ماله، زهدا وورعا.
قال القاضي أبو يعلى: حكى لنا ابو بكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن سكينة الأزجي، قال: حكى لنا الشيخ أبو الفضل ابن التميمي، قال: حكى لي شيخ كان يسافر في طلب الحديث: أنه وقع إليّ في خبر، أنّ النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب".
قال: فسافرت كذا كذا بلد، أسأل: هل هناك زيادة على هذا العدد؟. فما زادني أحد. وكلّ يقول: هكذا سمعنا. فدخلت مدينة البصرة، وسألت عن ذلك؟ فما زادني أحد. فلما كان ذات يوم، نمت وأنا تعب، فرأيت النبي ﷺ،
فقبّلت قدمه، فقال لي: يا فلان، قد تعبت في هذا الخبر الذي سمعته عني؟.
فقلت له: إي والله يا رسول الله.
فقال لي: امض إلى بغداد، إلى جامع الخليفة، سترى رجلا واسع الجبين، جهوري الصوت، فسلّه عن هذه المسألة؟. يعني: أبا بكر بن عبد العزيز، فإنه يجيبك.
قال: فلم يحملني القعود حتى مضيت إلى بغداد. قال: فقلت في نفسي: لا سألت أحدا عن هذا الرجل حتى أدخل الجامع، وأنظر إلى الصفة التي وصفها سيدنا رسول الله ﷺ. فدخلت يوم الجمعة الجامع، فسمعت صوته، فإذا هو بالصفة التي وصفها سيدنا رسول الله ﷺ، فوقفت حذاءه، وقلت له: أيها الشيخ! مسألة؟.
فقال: أوسعوا للشيخ موضعا، إلى أن وصلت إلى بين يديه، فقال لي:
اجلس. فجلست. فقال لي - سرا -: ألست الرجل الذي بعث بك سيدنا رسول الله ﷺ؟.
فوقعت عليّ الرعدة، فقلت: نعم، وأمسكت.
ثم قال لي: أيها الشيخ!، هات مسألتك؟. فسألت عن الحديث، أن النبي ﷺ قال: "يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب"؟.
فقال لي: يا أبله!، أنت والذين سألتهم!. حدّثنا فلان عن فلان - وذكر الإسناد -. أنه إذا كان يوم القيامة، وحصل أهل الموقف، يقول الله ﷾: "ولا أبالي". ثلاث مرات. ويحثي ثلاث حثيات، فمن قبضته أربع عشرة سماء، والأرض [في يده] كحبّة خردل في أرض فلاة، كم مرة سبعون ألفا؟.
توفي يوم الجمعة، لعشر بقين من شوال، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
وروي أنه قال لأصحابه في علّته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة!. فقيل له:
يعافيك الله، أو كلاما هذا معناه.
فقال: سمعت أبا بكر الخلّال يقول: سمعت أبا بكر المرّوذي يقول: عاش أحمد ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وعاش أبو بكر المرّوذي ثمانيا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة، ودفن بعد الصلاة، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة، ولي ثمان وسبعون سنة!. فلما كان يوم الجمعة، مات، ودفن بعد الصلاة! - وهذه كرامة حسنة، فإنه حدّث بيوم موته - وكان يوما عظيما بكثرة الجمع.
وهاجر من داره لما ظهر سبّ السلف إلى غيرها، وهذا يدلّ على قوة دينه، وصحة عقيدته.
وحكى أبو القاسم الأزجي عن عبد العزيز: أنه ضاق في بعض الأوقات، قال: فأخذت رقعة وكتبت فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، فلان بن فلان محتاج". قال: وأخذت الرقعة، وخرجت إلى باب الحلبة، وألقيت الرقعة من يدي، فحملتها الريح، وعدت إلى منزلي، فما كان يسيرا، وإذا الباب يطرق، فخرجت، وإذا شيخ لا أعرفه، ودفع إليّ قرطاسا ثقيلا، فأخذته، ودخلت، فاعتيرته، فإذا هو خمسمائة درهم، وإذا رقعتي بالقرطاس، وفيها مكتوب: "يا صاحب الرقعة! بعدها أحسن الأدب في الطلب".
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع