تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة

(¬*)

شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي الحنبلي.

كان إماما موفّقا، وغماما مدفقا، كنزا لكلّ طالب، وعزّا لكلّ غالب، طرّز برد

ذلك الأوان، وبرز في ذلك القران على كيوان.

وكان مجلسه يقدس الواطي، ويحبو بالعفو [على] الخاطي، كرما وسعه نطاق حلمه، ووسعه إشراق علمه، وله في مذهب الإمام أحمد ما أصبح فيه أحمد أهل دهره، وأجمع أهل وقته لأفنان زهره، حتى كان جادة ذلك المذهب، ومادة ذلك البحر الذي عنه لا يذهب.

مولده ب "جمّاعيل" من عمل نابلس، سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، في شعبان، وهاجر مع أهل بيته وأقاربه وله عشر سنين، وحفظ القرآن، ولزم الاشتغال من صغره، وكتب الخط المليح، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم.

ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني في أول سنة إحدى وستين، في طلب العلم إلى بغداد، فأدركا نحو أربعين يوما من حياة الشيخ عبد القادر ﵁، ونزلا عنده بالمدرسة، واشتغلا عليه تلك الأيام، وسمعا منه ومن تلك الطبقة، وكان عالم أهل الشام في زمانه.

قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقة، حجة، نبيلا، غزير الفضل، نزها، ورعا، عابدا على قانون السلف، عليه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته، قبل أن يسمع كلامه.

وقال عمر بن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصّه الله بالفضل

الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنّت بذكره الأمطار، وضنّت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية.

قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظنّ الزمان يسمح بمثله، متواضع، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحلم ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدّثين، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم ير مثله، ولم ير مثل نفسه.

وعمل الشيخ الضياء سيرته في جزأين، فقال: كان تامّ القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، ممتع بحواسه، أقام هو والحافظ ببغداد أربع سنين، فأتقنا الفقه والحديث، والخلاف.

أقاما عند الشيخ عبد القادر خمسين ليلة، ثم أقاما عند ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط النّعّال، واشتغلا على ابن المنّي، ثم سافر في سنة سبع وستين، ومعه الشيخ العماد، واقاما سنة، صنّف "المغني" عشر مجلدات، و"الكافي" أربعة، وصنّف عدة مجلّدات.

قال الحافظ ضياء الدين: رأيت أحمد بن حنبل في النوم، فألقى عليّ مسألة.

فقلت: هذه في "الخرقي".

فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في شرح "الخرقي".

وسمعت داود بن صالح المقرئ، سمعت ابن المنّي يقول: - وعنده الإمام الموفّق -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه.

توفي يوم السبت، يوم الفطر، ودفن من الغد، سنة عشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.