من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزي
(¬*)
الحنبلي، العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله.
خطّى المجد النبت أسلا، وطائر الشهد المجني عسلا، لسان الفضل وقلمه، وعلم العدل وعلمه، ومثقف الشرع وسمهريه، وفاروق الحق وعبقريه، طال أرومة، وطاب جنى وأكرومة، بلزوم طريقة تقفّى المجرة عليها، وتقف الجبال المشمخرة لديها، مدّ على مرمى الطرف سجافها، وأدار بكؤوس الصباح سلافها، بنهمة حمد في طلب العلم إسرافها، وحدّ على مراقب النجوم إسفافها، لهمّة لا قصور في باعها، ولا قصور إلا في رباعها، فما ردّت الغايات
جماحه، ولا ردت بغير رياش السحب جناحه، إلى أن شطّ مزارا وقطوف الثريا دانية، ونشط بدارا وعصوف الرياح متوانية، فنزل من السماء في عليائها، وترك السحائب وراءه قطائع من إعيائها، ورسا كما رسا أبان، ووصل بشباب الليالي ذوائب شيبان.
ولد: يوم الأحد، منتصف شوال، سنة إحدى وثمانين وستمائة.
حفظ القرآن العظيم في صباه، واشتغل بالفقه، وحفظ: "المقنع"، وقرأ الأصلين، والعربية، واللغة، والمنطق، والطب، وعلم التصوف، وبهر في ذلك.
وكان إماما، علّامة، زاهدا، كثير التلاوة للقرآن مع صلاة وصيام، وتهجّد في الليل، شجاعا، شهما، قوّالا بالحق، مهيبا، وقورا، يتوقد ذكاء، وله اليد البارعة في جميع الفنون، وله الشعر الفائق، والنظم الرائق، مليح المذاكرة، حلو النادرة، سخي النفس.
سافر إلى بلاد الهند، وبحث مع علمائها، واستظهر عليهم في البحث، وأبان عن علم غزير، وفضل كبير، فأذعنوا له، وتقدّم عليهم عند سلطانها، وأقرّوا له بالفضل والعلم، وصنّف للسلطان كتابا في الطب، نظما ونثرا، فأعجبه ذلك، وسأله الإقامة عنده، فلم يفعل، فعاد إلى بغداد، وعيّن معيدا بالمدرسة المستنصرية، ثم ولي تدريسها بعد الزريراني.
ومن شعره قوله:
ثكلت مني نفسي إن اخترت غيرهإماما لغايات عظام أرومها
وإن سمحت نفسي لغير محمدبمدح فلا انجابت بذكري غيومها
وإن جنحت إلا إليه مطيّتيفتعسا لها والعاصفات تعومها
توفي: يوم الأحد، سادس عشر شوال، سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
وأخرج بكرة نهار الاثنين، فشيّعه القضاة، والعلماء، والفقهاء، وأرباب المناصب في عالم كثير، وجمّ غفير، وصلّى عليه بجامع القصر، بدار الخليفة، ثم صلّى عليه ثانيا بالمدرسة المستنصرية، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع