تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزريراني، ثم البغدادي

(¬*)

الحنبلي، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو بكر.

لمحة فضل تغتنم، ولمعة بارق في ليلة لم ينم، طبق الرّبى والوهاد، وفرّق الكرى والسهاد، وجعل قراءة الكتب طيفه الذي يهم، وسهاده الذي يمنع إغفاءه أن يلم، ولقي العلماء وما بقل نبت عارضه، ولا أثار أرض الصبا بذلوله ولا فارضه، ولا ألمّ بالشباب وهو في ميعته إلا إلماما، ولا صرف إليه ونية ذهنه ولا اهتماما، حتى حصل من العلم جليله، وبلّ به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلة مسهمة ما أكنّت مثلها الحلل ولا المضارب.

ولد: في جمادى الآخرة، سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم، وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علّامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني.

انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقرّ له الموافق والمخالف.

وكان قد قرأ الفقه ببغداد على جماعة، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدين [ابن] المنجا، ومجد الدين إسماعيل، ثم عاد إلى بلده وأعاد وأفاد، ولازم الاشتغال ليلا ونهارا، ثم درّس بالمدرسة المستنصرية، وتولى قضاء الحنابلة مع التقشف والصيانة، وصار عالم العراق على الإطلاق، وآية في الفقه ومعرفة مذاهب الأئمة الأربعة.

قال الشيخ أبو الخير الذهلي: حكى لي بعض الفضلاء ببغداد، قال:

"اجتمع الشيخ تقي الدين الزريراني وجماعة من علماء بغداد في مجلس، فوقعت مسألة، فسأل الشيخ تقيّ الدين، ابن المطهر عن حكمها في مذهبه؟.

فأجاب عنها. فقال له الشيخ تقي الدين: مذهبكم خلاف ما نقلت لنا!.

والصحيح عندكم كذا وكذا. وأوقفه على النقل، فأذعن له ابن المطهر".

قال: وحكى ابن خميس، الفقيه الحنبلي، قال: جاءت فتيا من واسط، فكتب عليها بعض الشافعية والمالكية، والحنفية، وحملوها إلى الشيخ تقي الدين، فلما قرأها قال: أخطأ الجماعة كلّهم في الجواب، وطلبهم. وقال:

الصحيح من مذهبكم كذا وكذا، فسلّموا له، ورجعوا إلى قوله.

قال: ومن محفوظاته: "الهداية"، لأبي الخطاب، والخرقي، وطالع "المغني"، للشيخ موفّق الدين ثلاثا وعشرين مرة، وعلّق عليه حواشي مفيدة، وشرع في شرح "المحرر"، فكتب منه قطعة من أوله، وكانت دروسه منقحة مفيدة، يزيد في كل يوم على أربعمائة سطر، مع ضيق وقته، واشتغاله بأمر القضاء، والعيال، ويتردد إليه العلماء من الطوائف الأربع، ويستفيدون منه، وكذلك المحدّثون،

يسألونه عن أسماء الرجال، وصحيح الحديث، وسقيمه، والتاريخ.

وكان ذهنه يتوقّد ذكاء، مع فكرة صائبة، وعذب عبارة، وحسن خط، ولفظ، وشكل. ومدحه جماعة من الأئمة الفضلاء.

وتوفي: في الليلة المسفر صباحها، عن يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى، سنة: تسع وعشرين وسبعمائة.

وأخرج يوم الجمعة، فصلّي عليه بالمدرسة المستنصرية، وحضر جنازته خلق عظيم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.