تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الصالحي

(¬*)

قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله، الحنبلي.

شمس حجبت أيامه بأجنحة الفواخت، وضمخت بطيبها ردّ الأيام الفوائت، كان عصره مذهبا، وزمنه لأوقات السرور مذهبا، أمن به كل خائف كان يترقب، واستقرّ به كل سارق كان بخمر الباطل يتنقب.

كان أبوه رجلا يبيع الملح، ويتسبب في قليله طلبا للربح، وقضى على هذا الأيام، وأصلح به زمنه إصلاح الملح للطعام، وولد ابنه مغتذيا بطعامه الحل، ناشئا منه على نهج لسواه لا يستحل، فلما آن له حبّب إليه العلم، وحلّ لديه رتاج الفهم ظل، فظلّ يكاثر في اقتنائه، ويتابع سبيل السلف باقتفائه، حتى أصبح شمس عصره، إلا أنه مثل رأد الضحى، وردء الفجر وقد أطلّ مصبحا، فقنع ببلل من العيش لا تبل به الآماق، ولا تمسك بسببه الأرماق، منتصبا لطلبة يعلمها ما لم تعلم، وطلبة لو سئلت من الغمام لكان منه يتعلم.

ثم خطب من وظيفة القضاء للمنصب الجليل فامتنع، وطلب له غير القليل فاقتنع، فلم يزل به أرباب التعيين حتى قبل عقدها، وقدم زخرف الدنيا نقدها، وولي منصب القضاء وقعد لفصل المضاء، فما رأى جلي الكبراء أدقّ منه نظرا،

ولا أكثر منه لقديم الوقائع مستحضرا.

هذا على أنه كان من الناس بمعزل، ومن الدنيا كلها في جوف منزل، إلا أن الله نور بصره، وسدد رأيه ونصره، فما جاز عليه زيف التدليس، ولا قابله طيف الباطل إلا تحت راية التنكيس، كل هذا إلى استعادة جهات أوقاف تملكت، وعمارة مواضع بر استهلكت، والنظر في عامة المصالح، مع إصلاح طرق المسلمين، والضرب على أيدي الظّلمة المتحكّمين، وقول الحقّ وإن كان مرا، والوقوف معه نفع زيدا أو ضرّ عمرا.

وحجّ مرات، آخرها وقد تألّبت عليه عصب لم ترد إلا أن تغطي عليه، وقد جنحت شمسه، وأشرفت على الفراق نفسه، فلما أتى المدينة الشريفة مات ودفن في البقيع، وجاور سماء تلك الأنجم أهل ذلك الرقيع.

وكان قبل تلك حجّ مرة، فمات له صاحب في مرجعه، فحمل من مكة المعظمة، حتى دفن في تلك المقبرة، وحضر هو جنازته، فبقي يقلب تراب قبره بيده، ويقول: طوبى لك، وينافسه عليه، ثم قال: تمنيت أن يكون قبري إلى جانبه، وكان في السنة الآتية ما تمنى، ونال سروره إذ قبر هناك طاب وتهنّا.

وحكي أنه لما حفر قبره ليدفن فيه، وتكون في قيد تلك الأذرع شمسه، إن أمكن، وجدت نصيبة قبر من قديم مكتوب عليها هذا البيت:

إذا كان قبري في البقيع بطيبةفلا شكّ أني في حمى صاحب القبر

فهنيئا له ما سنح به الفال، وما سيمنح من تحية ركائب إلى ذلك الحمى زائرين، وقفّال.

وكان ذا علم جمّ، مبرّزا في نحو إضحى (الرياشي) أخص القوالم، و (الفارسي) قدم العربي كالخادم، و (المازني) لا يقام معه وزن ما هو له عالم، إلى لغة يجب لأهلها هجر (القالي)، وحطّ قدر (صاعد) العالى وحساب لو كلّف (إقليدس) أقلّ ما لديه لقال: ما هذا فني. أو فرض شبيهه في الفرائض الحسين بن محمد الوني لأسرع ووني الونى، مع روايات يخشع لها (الخشوعي)، ويدرك سلف السلف الاختشاء والعي، مما لو اتصل بأبي القاسم الطبراني لطرب، أو أبي زكريا النووي لما اطمأنت بنواه رحلة مغترب، هذا إلى زهد ترتعد له فرائص الحارث بن أسد، ويظنّ سري السقطي أن ما عنده قد كسد.

ولي القضاء على شرط على أن لا يلزم بتغيير زيه، ولا ركوب بغله، ولا ركوب قدام المحمل السّلطاني، في دوران، ولا وداع، ولا ملتقى، وأن يكون له النظر في أوقاف طائفة الحنابلة، من غير معارضة، وغير ذلك.

فأجيب إلى هذا جميعه، فلم يغير زيه الذي كان عليه، وقام بالحق وسدّد وقارب، وفعل فوق ما كان يظن في الإمكان لسوء الزمان، وخلّص كثيرا من الأوقاف التي كان استولي عليها حتى فتح مدارس كان قد أغلقت منذ أزمان، منها: الصاحبية: بسفح قاسيون، والدنيسريه للطب، وعمر الدواثر،

ورمّم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقاما لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله.

وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارا صالحا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد، إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاءة مع كفاية.

فغضب تنكز لذلك وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟.

فقال لرسوله: قل له: مثلما زوّجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي.

وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب.

فلما أعيد عليه الجواب، زاد غضبه، ولم يقدر يتكلم.

وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء، ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها، حتى نمت متحصلاتها، وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء، وولي أمورها للكفاة، وتولاها بالعفاف والخبرة، حتى درّت إدراراتها وتسهّلت أرزاق الطلبة، ثم جعل لكل من عرض عليه كتابا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو، جعالة، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهمم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء، وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للإشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب. وكان يسمح لمن عرض

عليه ويوصيه ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا - دون قضاة بقية المذاهب - عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل.

وكان مدة ولايته كلها على حاله الأول، متقلّلا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبا اكترى دابة من حمير الكراء، يركب عليها بالأجرة، ويمشي والمئزر تحت إبطه، يفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج، هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.

قال لي بعض بطائنه: إنه ما كان يأكل إلا من مقرر أعاده المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده.

وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مسجد أو إصلاح طريق من طرق المسلمين يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين به في ذلك البر، وتهيّأ له في هذا كل عجيب.

حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك. وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي

النحو عليه، أجلّه عن السؤال عن هذا، غير أنني كنت إذا رأيته أتوسم سيما السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأوّل، وأظنّ - والله أعلم - أنه لو مدّ له في العمر، غطّت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين.

وحجّ مرات؛ رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى.

وحجّ بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله وجماله وغالب الطريق وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر، ورغبة في احتساب الخطوات، ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظّمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي ﵁ يفعل، ولقد كان يحج ماشيا، والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت، فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حجّ معي، وحجّ معه، حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسّنّة المأثورة، فرحمه الله، وغفر له، لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا.

ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن أشربون ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق.

وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده ما هو عليه -:

هو يد لم تؤيد بساعد.

وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيّما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه

زيف، ولا يدخل عليه بهرج، ولا يفضله أحد في حسن النقد، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألفهم ولا ينفرهم، ويستر فضائحهم، ولا يكشفها، مع الاحتراز لنفسه، والاحتياط لدينه.

وحقد عليه بعض أصحابنا الشافعية لقيامه مع العلامة أبي عبد الله بن قيم الجوزية، وأصحاب ابن تيمية، وأسرّوها له، واستعانوا بدوادار النائب، وكان لا يصدر ولا يورد إلا به، وكان متحمّلا عليه لعدم قبول شفاعاته، فشرع في بناء حوانيت في وجه وقف يريد بها ارتفاع الوقف، وينمي أجوره، فقالوا: هذا ما يجوز. وعقد له مجلس انتدب فيه ابن جملة للمحاققة، وأبرز فيه وجه المقابحة، وتبسط في الأقوال الفاضحة، فحكم بهدم ما كان شرع في بنائه، وقام - رحمه الله تعالى - بدائه، فعزم على الحج، واجتمعت به لأسبطه وأثبطه، فقال لي:

هيهات، والله، والله، لأستبدلن دارا خيرا من دارهم، وجارا خيرا من جارهم، ولأقيمنّ بالمدينة، ثم انطلق أوان الحج، فكان ما أراد، إلا أنه أقام ميتا لا حيا، أتى المدينة متمرّضا، ومات بها في التوجه، ودفن بالبقيع، قريب من قبر عقيل بن أبي طالب ﵁. فرحمه الله، وغفر له، ونعّمه في تلك الدار، وأوجب له حق الجوار.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.