أخٌ لِيَ مَشكُورُ المَسَاعِي وَسَيِّدٌ
الشاعر: ابن حزم الأندلسي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن حزم الأندلسي، من المغرب والأندلس، وتقع في ٥٩ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أخٌ لِيَ مَشكُورُ المَسَاعِي وَسَيِّدٌ ... تَسُرُّ بَوَادِيهِ إذَا سَاءَكَ الصَّحبُ
ألَمَّ يُــــجَــــالِيــــنِي جَلاَءَ مُجَرّبٍ ... عَلَى أنَّهُ حَقَّاــ بِيَ العَالِمُ الطَّبُّ
يُطَالِعُ فِي سُبلِ البَلاَغَةِ مَذهَبِي ... وَهَل يَستَوِي مَنهَا لِيَ الحَزنُ وَالسُّهبُ
وَكَيفَ أنَا فِيهَأ إذَا مَا تَشَعَّبَت ... وَضَاقَ عَلَى طُلاَّبِهَا المَنهَجُ الرَّحبُ
فَلُحتُ لَهُ خربت غفل وَمَجهَلٍ ... يَضَلَّ لَدَيهِ النَّجمُ وَالقَشَمُ النَّكبُ
فَيَا أيُّهَا القَأضِي المُبَجَّلُ وَالَّذِي ... مَوَارِدُهُ من سري البَاردِ العَذبُ
وَمَن دَان أربَابُ العُلُومِ بأسرِهِم ... لَهُ بِــــصَرِيحِ الرّقّ وَهوَ لَهُم رَبُّ
أعِــــيــــذُكَ أن تَــــرتَابَ أنَّنِيَ الذِي ... أتَى سَابِقاً وَالكُلُّ يَنجُرُ أو يحبُو
وَمِثلَي إذَا جَدَّ الرّجَالُ وَاتعَبُوا ... نُفُوسَهُم سَعياً وَكَدَّهُمُ الخطبُ
تَقَدَّمَ سَبقاً ثَانِياً مِن عِنَانِهِ ... وَغَادَرَ مَن جَارَاهُ فِي رَهجِهِ يَكبُو
أمِثلُكَ يَعشُو عَن مَكَانِي وَيَمتَرِي ... بِأنِّيَ مِن أفلاَكِ ذَا الأدَبِ القُطبِ
أيَخفَى عَلَيكَ البَدرُ لَيلَةَ تَمِّهِ ... وَلَم يَستَتِر عَنكَ البَيَازِكُ وَالشُّهبُ
وَأنتَ الذِي يَلقَى الخَفِيَّاتِ ظَاهِراً ... بِعَينش نُهًى لَم تُرجَ مِن دُونِهَا الحُجبُ
فَكَيفَ بَمَا وَازَى الجَهُولَ تَمَكُّناً ... ذُوُو العِلمِ فِيهِ وَاستَوَى السّودُ وَالصُّهبُ
وَحَاشَايَ أن يَمتَدَّ زَهوٌ بِمَنطِقِي ... وَأن يَستَفِزَّ الحِلمَ فِي قَولِيَ العُجبُ
وَلَكِنَّ لِي فِي يُوسُفَ خَيرَ أسوَةٍ ... وَلَيسَ عَلَى مَن بَالنَّبِيّ ائتَسَى ذَنبُ
يَقُولُ وَقَالَ الحَقُّ وَالصّدقُ إنَّنِي ... حَفِيظٌ عَلِيمٌ مَا عَلَى صَادِقٍ عَتبُ
فَلَو كُسِيَ الفُولاَذُ حِدَّةَ خَاظِرِي ... تَسَاوَى لَدَيهِ اللَّحمُ وَالحَجَرُ الصُّلبُ
وَلَو كَــــانَ لِلنِّيرَانِ بَعضُ ذَكَائِهِ ... وَفَاضَت عَلَيهِ لُجَّةـ البَحرِ لَم يَخبُ
وَمَا اختَصَّ عِلمٌ دُونَ عِلمٍ بِوِجهَتِي ... بَلَى مَسرَحِي فِي كُلِّهَا الوَاسِعُ الخَصب
تَظَلُّ فُنُونُ العِلمِ تَجلَى إذَا غَدَت ... بِأيدِي رِجالٍ وَهيَ مَنجُولَةٌ غَصبُ
وَمَا عَزَّنِي وَالحَمدُ لِلَّهِ مَطلَبٌ ... مِنَ العِلمِ مِمَّاـ أبقَتِ العُجمُ وَالعُربُ
حَلِيفِي وَمُحيِي هِمَّتِي وَمُنِيرُهَا ... وَرَافِعُ ذِكرِي حَيثُمَا اتَّصَلَ الرَّكبُ
وَأنسِيَ مُذ خَمسٍ وَعِشرِينَ حِجَّةً ... أرُوحُ وَأغدُو وَهوَ صَارِمِيَ الغَصبُ
وَخِطَّتِيَ العُليَا الَّتِي لَستُ أتَّقِي ... حَيَاتِيَ مِنهَأ العَزلُ مَا رَتَعَ الضَّبُ
وَمَالٌ عَمِيمٌ لَستُ أخشَى نَفَادَهُ ... بِإنفَاقِهِ لاَ بَل يَزيدُ وَيَنصَبُّ
سَمَوتُ بِنَفسِي لاَ بِمَجد هَوَت بِه ... مِنَ الزَّمَنِ العَدَّاءِ آلاَتُهُ الحُدبُ
عَلَى أنَّنِي لَو شِئتُ قُلتُ مُصَدَّقاً ... وَأقــــبَحُ قَولٍ مَا ألَمَّ بِهِ الكَذبُ
وَلَكِنَّهُ مَن لَم يُشِد مَا حَلاَ لَهُ ... رَغَا فِي مَبَانِيهِ وَضعضَعَهَا السَّقبُ
فَإن شِئتَ فِي عِلمِ الدّيَانَةِ تَلقَنِي ... نِقَاباً لَهُ لَم يَخفَ عَنِّيـ لَهُ نَقبُ
وَأمَّاـــ أفَانِينُ الحَدِيثِ فَإنَّنِي ... أنَا بَحرُهَا الطَّامِي وَيُنبُوعُهَا السَّكبُ
وَقَيَّدت مِن فُتيَا ذَوي الفِقهِ ضَابِطاً ... بِحِفظِيَ مَا طَالَت بِهِ قَبلَهَا الحِقبُ
وَإن لاَذَ طُلاَّبُ الكَلاَمِ بِجَانِبِي ... فَإنَّيَ سَاقِيهِم وَكُلُّهُمُ شَربُ
وَعِلمِي بِمَا فِي سِرّ خَصمِي كَعِلمِه ... فَمَا غَأبَ عَنِّيـ مِنهُ سَهلٌ وَلاَ صَعبُ
وَإن تُذكَرِ الأشعَأرُ لَم يَكُ خَارِجاً ... أمَامِي جَريرٌ فِي الرّهَانِ وَلاَ كَعبُ
وَمَا ضَرَّ شِعرِي ان منو شهر والذي ... وَلَم يَحظَ بِي عِلماً تَمِيمٌ وَلاَ كَلبُ
وأمّا تُسَائِل بِاللُّغَات وَنَحوهَا ... فَمَا غَابَ عَنِّيـ مِنهُ سَهلٌ وَلاَ صَعبُ
وَمَا إنَّ شَأنِي عِندَ ذَلِكَ سَابِقٌ ... عَلَى أنَّنِي لَم يُغرنِي التَّعبُ وَالوَطبُ
وَحَسبُكَ بِي فِي ذي الأعَارِيضِ مَمنَعاً ... إذَا عُدَّتِ الأوتَادُ وَالشَّطرُ وَالضَّربُ
وَإن شِئتَ أخبَارَ الدهُورِ فَإِنَّنِي ... أنَا جَامِعُ التَّارِيخ مُذ نَبَتَ الهُضبُ
فَمَا غَابَ عَنِّيــ أمرُ مَلكٍ مسونه ... وَلاَ شَدَّ دُونِي أمرُ سِلمٍ وَلاَ حَربُ
سَوَاءٌ عَلَى ذِكرِي قَرِيبٌ وَنَازِحٌ ... وَمَن حَمَلَت أرضٌ وَمَن ضَمَّهُ التُّربُ
وَإن تُذكَرِ الأنسَابُ كُنتُ نَقِيبَهَا ... وَلم يَخفَ عَن ذِكرَايَ حَيٌّ وَلاَ شِعبُ
وَلَو أنَّ رُســــطَــــالِيــــسَ حَــــي بَــــدَدتُّهُ ... وَمَا عَاشَ إلاَّ وَهوَ لِي بِالحَرَى تِربُ
يُسَافِرُ عِلمِي حَيثُ سَافضرتُ ظَاعِناً ... وَيَصحَبُنِي حَيثُ استَقَلَّت بِيَ الرَّكبُ
مَحَلَّتُهُ صَدرِي وَمَسكَنُ عُمرِهِ ... بِحَيثُ التَقَى مِنِّيـ التَّرَائِبُ وَالتِّربُ
إذَا مَا الجَنوبُ استَوطَأت فِي ضِجَاعِهَا ... فَعَنهُ نَبَا عَن مَضجَعِي مِنِّيَ الجَنبُ
أنَا الشَّمسُ فِي جَوّ العُلُومِ مُنِيرَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيبِي أنَّ مَطلَعِيَ الغَربُ
وَلَو أنَّهُ مِن جَانِبِ الشَّرقِ طَالِعٌ ... لَجَدَّ عَلَى مَا ضَاعَ من ذِكرِيَ النَّهبُ
وَلِي نَحوَ أكنَافِ العِرَاقِ صَبَابَةٌ ... وَلاَ غَروَ أن يَستَوحِشَ الكَلِفُ الصَّبُّ
فَإن يُنزِلِ الرَّحمَانُ رَحلِيَ دُونَهُم ... فَحِينَئِذٍ يَمضِي التَّأسُّفُ وَالكَربُ
فَكَم قَائِلٍ أغفَلتُهُ وَهوَ حَاضِرٌ ... وَأطلُبُ مَا عَنهُ تَجِيءُ بِهِ الكُتبُ
هُــــنَــــالِكَ يُدرَى أنَّ لِلبُعدِ قِصَّةً ... وَأنَّ فَــــسَادَ العِلمِ آفَتُهُ القُربُ
فَيَا عَجَباً مَن غَابَ عَنهُم تَشَوَّقُوا ... لَهُ وَدَنَــــوا لِمُــــزمِــــنِ دَرَاهِم ذَنبُ
وَإنَّ مَــــكَاناً ضَاقَ عَنِّيـــ لَضَيِّقٌ ... عَــــلَى أنَّهُ فَيحٌ مَذَاهِبُهُ سُهبُ
وَإنَّ رِجَـــــالاً ضَـــــيَّعـــــُونِـــــي لَضُــــيَّعٌ ... وَإنَّ زَمَاناً لَم أنَل خِصبَهُ جَدبُ
وَلَو إنَّنِي خضاطَبتُ فَي النَّاسِ جَاهِلاً ... لَقِيلَ دَعَأوٍ لاَ يَقُوم لَهَا طُنبُ
وَلَكِنَّنِي خَاطَبتُ أعلَمَ مَن مَشَى ... وَمَن كُلُّ عِلمٍ فَهوَ فِيهِ لَنَا حَسبُ
يُصَدّقُنِي فِي وَصفِهِ كُلُّ سَامِعٍ ... يَقِيناً وَلاَ يَأبَى لِسَانٌ وَلاَ قَلبُ
على أيّ بحرٍ نُظمت هذه القصيدة؟
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
ما معاني ألفاظها الغريبة؟
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح:
- البارد: برد: البَرْدُ: ضدُّ الْحَرِّ. والبُرودة: نَقِيضُ الْحَرَارَةِ؛ بَرَدَ الشيءُ يبرُدُ بُرودة وَمَاءٌ بَرْدٌ وَبَارِدٌ وبَرُودٌ وبِرادٌ، وَقَدْ بَرَدَه يَبرُدُه بَرْداً وبَرَّدَه: جَعَلَهُ بَارِدًا. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فأَ … (لسان العرب)
- الرحب: رحب: الرُّحْبُ، بِالضَّمِّ: السَّعةُ. رَحُبَ الشيءُ رُحْباً ورَحابةً، فَهُوَ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورُحابٌ، وأَرْحَبَ: اتَّسَعَ. وأَرْحَبْتُ الشيءَ: وسَّعْتُه. قَالَ الحَجّاجُ، حِينَ قَتَلَ ابْنَ القِرِّيَّة: أَرْحِبْ يَا غُلا … (لسان العرب)
- الرق: (رَقَّ) الرَّاءُ وَالْقَافُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا صِفَةٌ تَكُونُ مُخَالِفَةً لِلْجَفَاءِ، وَالثَّانِي اضْطِرَابُ شَيْءٍ مَائِعٍ. فَالْأَوَّلُ الرِّقَّةُ؛ يُقَالُ رَقَّ يَرِقُّ رِقَّةً فَهُوَ رَقِيقٌ. وَمِنْهُ الرَّقَاقُ … (مقاييس اللغة)
- الطب: (طَبَّ) الطَّاءُ وَالْبَاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى عِلْمٍ بِالشَّيْءِ وَمَهَارَةٍ فِيهِ. وَالْآخَرُ عَلَى امْتِدَادٍ فِي الشَّيْءِ وَاسْتِطَالَةٍ. فَالْأَوَّلُ الطِّبُّ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالشَّي … (مقاييس اللغة)
- المبجل: بجل: التَّبجيل: التَّعْظِيمُ. بَجَّلَ الرجلَ: عَظَّمَه. وَرَجُلٌ بَجَال وبَجِيل: يُبَجِّله الناسُ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْعَظِيمُ السَّيِّدُ مَعَ جَمَال ونُبْل، وَقَدْ بَجُلَ بَجَالَة وبُجُولًا، وَلَا تُوص … (لسان العرب)
- المساعي: سَعى الرجل يَسْعى سَعْياً، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وكل من ولى شيئا على قوم فهو ساعٍ عليهم، وأكثر ما يقال ذلك في وُلاةِ الصَدقة. يقال: سَعى عليها، أي عمل عليها ؛ وهم السُعاةُ. قال الشاعر [[عمرو بن العداء الكلبى.]] : ( … (الصحاح)
- المنهج: نهج: طريقٌ نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ، وَهُوَ النَّهْجُ؛ قَالَ أَبو كَبِيرٍ: فأَجَزْتُه بأَفَلَّ تَحْسَبُ أَثْرَهُ ... نَهْجاً، أَبانَ بِذِي فَريغٍ مَخْرَفِ والجمعُ نَهجاتٌ ونُهُجٌ ونُهوجٌ؛ قَالَ أَبو ذؤَيب: بِهِ رُجُماتٌ بي … (لسان العرب)
- النكب: نكب: نَكَبَ عَنِ الشيءِ وَعَنِ الطَّرِيقِ يَنْكُب نَكْباً ونُكُوباً، ونَكِبَ نَكَباً، ونَكَّبَ، وتَنَكَّبَ: عَدَلَ؛ قَالَ: إِذا مَا كنتَ مُلْتَمِساً أَيامَى، ... فَنَكِّبْ كلَّ مُحْتِرةٍ صَناعِ وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَعر … (لسان العرب)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.