تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

و ١٣ - الوزير عمرو بن مذحج، وأبو الوليد ابن عمه أبناء حزم

وهما قمرا السماء، وفرقدا الظلماء، وظبتا الحسام، وتتمّتا الأقسام، ومشعر الحجيج، ومنظر الربيع البهيج.

قال ابن بسام: "وأبو الحكم منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت، لمن اتّخذ الإحسان قبلة، وحجّة على من جعل النقصان جبلّة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع، وفي كل أفق من علو القدر طلع، أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، قلّما عنّ لبصر إلا راقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن السّيد البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبا منه وإعجابا به:

رأى صاحبي عمرا فكلّف وصفهوحمّلني من ذاك ما ليس في الطوق
للشاعر الوزير أبو الحسن ابن القبطرنة، اقرأ القصيدة
فقلت له: عمرو كعمرو، فقال لي:صدقت، ولكن ذاك شبّ عن الطوق
للشاعر الوزير أبو الحسن ابن القبطرنة، اقرأ القصيدة

وفيه أيضا يقول الوزير أبو محمد بن عبدون، من جملة أبيات:

يا عمرو ردّ على الصدور قلوبنامن غير تقطيع ولا تحريق
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وزر الثريا وهي نحن بكوكبلولا العقول لقلت: بالعيّوق
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وأدر علينا من خلالك أكؤسالم تأل تسكرنا بغير رحيق
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

وفيه يقول أحدهما:

قل لعمرو بن مذحجخاب ما كنت أرتجي
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
شارب من زبرجدولمى من بنفسج
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

فلمّا همّ ليله بنهاره، ودبّ على سيف وجنته فرند عذاره، راع المجد بحزم وكرم، ونبوة سيف وقلم، ممن سارى نجوم الليل، واحتلّ صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلف، ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع، قلّما يغبه البديع، وقد أتيت منه بفصول تشهد له بالتفضيل.

فمن ذلك ما أجاب به أبا محمد بن عبدون، لما كتب إليه أبياتا يقول فيها:

سلام كما هبّت من الحزن نفحةتنفّس قبل الفجر في وجهها الزهر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
من الوارف الفينان وشت برودهذراع من الليث الثريا له شبر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
وإلا يد حزمية مذحجيةتقشّع عنها مذحج فانهمى عمرو
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
فجاد على تلك الأجارع والربىرواعده وعد وبارقه بشر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
أبا حكم أبلغ سلام فمي يديأبي حسن وارفق فكلتاهما بحر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة
ولا تنس يمناك التي هي والندىرضيعا لبان لا اللجين ولا التبر
للشاعر ابن عبدون، اقرأ القصيدة

فراجعه بأبيات منها:

أتى النظم كالنظم الذي تزدهي بهعروس من الجوزاء إكليلها البدر
تحلّت لنا منه بخطك رقعةهي الروضة الغناء كلّلها الزهر
تحير ذهني في مجاري صفاتهفلم أدر شعر ما به فهت أم سحر
فإن قلت: شعر، فالقلوب شعارهوإن قلت: سحر، فهو سحر ولا كفر
أرى الدهر أعطاك التقدم في العلاوإن كان قد أوفى أخيرا بك الدهر
لئن حازت الدنيا بك الفضل آخراففي أخريات الليل ينبلج الفجر

ومنه قوله في صديق له سقط عن دابة ووثئت رجله يسمى باسمه:

لقد أسرعت فيك العيون وإنماجميل دفاع الله عنك التمائم
وما أنت إلا البدر طارت بسرجهعقاب لها الريح الخريق قوادم
ولا غرو أن طافت برجلك وثأةلها المجد خفّاق الجناحين حائم
فقد ترجف الأفلاك في دورانهاوتنقضّ أعلام النجوم العواتم

ومنه قوله فيه أيضا من أبيات:

أضمرت فيك صبابتي فوشى بهادمع فككت به صحيفة مضمر
من ذا يفرّق بيننا وجلالنامتكافئ في المنتمى والعنصر

في أبي العلاء زهر بن عبد الملك:

ضع الرحل في حمص بأيمن طائرووال اصطناع الخير فيها وظاهر
وهبت فؤادي للبشير بأوبةسليما ولم أبخل عليه بناظري

وفيه:

يا جاليا وجه السعادة واضحاومقلّبا طرف النباهة طامحا
صيّر مجنّك صفحتي قمر الدجىوسنان رايتك السماك الرامحا

وفيه، وقد جاز البحر معه:

يا ابن زهر طأ الثريا عبيراوحصى البيد لؤلؤا وعقيقا
وتلقّ الهواء وهو طليقكمحيّاك حين تلقى الصديقا
ما ترى الريح كيف هبت رخاءلك بعد الهبوب ريحا خريقا
وضحى البحر هيبة لك لماجئته سالكا عليه طريقا
غمرته من راحتيك بحارصاح من موجها الغريق الغريقا
فرق اللجّ منك حتى استطارتمنه أحشاؤه فريقا فريقا
جزه يا ابن الكرام أرضا ذلولاأو فقده إن شئت طرفا عتيقا
وانتض الحزم حيث كنت حساماواصحب النجح حيث كنت رفيقا
وتفيّأ علاك ظلا ظليلاوتنشّق ذكراك مسكا فتيقا

[وكتب] إلى الوليد ابن عمه:

لا غرو إن بعدت دار مصاقبةبنا وجدّ بنا في الحضرة السفر
فمحجر العين لا يلقاه ناظرهاوقد توسّع في الدنيا به النظر

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.