تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيتة الأصلية، ابن عمه: أبو الوليد محمد بن يحيى بن حزم

(¬*)

أحد أعيان الأدب، وأحلى الناس شعرا لا سيما إذا عاتب، أو عتب، جعل هذا الغرض هجيراه، فقلّ ما يتجاوزه إلى سواه، وكلما أبدأ فيه وأعاد، أحسن ما شاء وأجاد، وفي كل معنى [يحسن] أكثر مما يمكن، ولكن رأيته في باب العتاب يعلن بأمره، ويعرب عن ذات صدره.

أتجزع من دمعي وأنت أسلتهومن نار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علّقتوأنت، ولا منّ عليك حبيبها
إذا طلعت شمس عليّ بسلوةأثار الهوى بين الضلوع غروبها

[وقال أبو الوليد]:

وطارحك الواشون عنّي سلوةمغالطة، هيهات ذاك بعيد
وكيف سلوّي عن هواك وإنّهليبلى فؤادي وهو فيك جديد
إذا ما ثناه الناس عنك لوت بهعلائق حبّ فيك ليس تبيد
بلى إن عرتني فترة الصبر هزّنيتذكّر أيامي بكم فأعود

[وقال - وهي من حسنات شعره، وآيات ذكره -]:

وكم ليلة ألطفت بالمنىفقمت أبادر إلطافها
بشمس إذا ما تأمّلتهارددت على الشمس أوصافها
بفترة لحظ كأنّ الكرىأعان عليها وإن خافها
وإنّي وإن عفتها معلنالأعذل في السرّ من عافها
وهبّت علينا صبا رطبةوقد عابث الطلّ أعطافها
وقد بثّها الروض هجر الحيافجرّت على النور أطرافها
وخيل الظلام أمام الصباحوالركض قد ضمّ أجوافها
وقد فضّض الفجر أذيالهاوزاد، فذهّب أعرافها
وكاثرت البدر شمس بدتفمدّت على الأرض أكنافها
وغاضبت السّحب فيه الرياحفصرّت من الغيظ أخلافها
وذكّرني بادرات الحمامحمائم تندب ألّافها

وقوله:

كم قلت فيك معرّضا ومصرّحاأكذا علقت ضلالة بفلان
ومنيت من خلطائه بعصابةخلطت بها شبها من البهتان
هيهات لولا غنج لحظ محمدما كنت نهزة أعين الغزلان
ولقد بعثت على السلوّ لو ان ليقلبا يطاوعني على السلوان
فجعلت ثوب الصبر فيه بصيرةوثنيت عن علم إليه عناني
ونبذت حلمي والتفت إلى الصباويد العفاف تضمّ من أرداني
لله أيام على وادي القرىسلفت لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتني في ظله ثمر المنىوالطير ساجعة على الأغصان
والشمس ترمق من محاجر أرمدوالظلّ يركض في النسيم الواني
والراح تأخذ من معاطف أغيدأخذ الصّبا من عطف غصن البان
حتى إذا ضرب الظلام رواقهوخشيت فيه طوارق الحدثان
ملنا نؤمّل غير ذلك منزلاوالراح تقصر خطوه فيداني
ويروم قول أبي الوليد وربّماكتبت مكانة لامه الواوان
ثم احتللنا والوشاة بمعزلوقد التقت في جفنه سنتان
والبدر يرميني بمقلة حاسدلو يستطيع لكان حيث يراني
حتى إذا نشر السرور بساطهوطوى بساط شكّيتي لأوان
أهوى يقبّل راحتيّ تودّداويشد عقد بنانه ببناني
ويقول إشفاقا عليّ ورحمةمتلجلج الألفاظ بعد بيان:
هاك اغتنمها من زمانك خلسةتشفي فؤاد غليلك الهيمان
فلثمت فاه والتزمت عناقهويد الوصال على قفا الهجران
ومرقت من ظنّ الأعادي عفةوالليل مشتمل على الكتمان

وقوله:

وكم ليلة ظافرت في ظلها المنىوقد طرفت من أعين الرقباء
وفي ساعدي حلو الشمائل مترفلعوب بيأسي تارة ورجائي
أطارحه حلو العتاب وربماتغاضب فاسترضيته ببكائي
وفي لفظه من سورة الكأس فترةتمتّ إلى ألحاظه بولاء
وقد عابثته الراح حتى رمت بهلقى بين ثنيي بردتي وردائي
على حاجة في النفس لو شئت نلتهاولكن حمتني عفتي وحيائي

قال ابن بسام: "قوله: (وفي لفظه من سورة الكأس) … البيت، مما فتن به أبو الوليد فتنة [لا يحسنها] السامري، بل سحر سحرا لا تتعاطاه الحبال ولا العصي.

وقوله:

ومن عجب أني إذا رمت سلوةوجدت هواه آخذا بعناني
أبا قاسم: خذها شكاية واجدكما وجد المقصوص للطيران

وقوله:

وكم أمّلوا - لا بلّغوا فيك خطةوحاشاك منها والحديث يطول
فصكّت لساني - يعلم الله - سكتةلها في جناني زفرة وعويل
وسدّ طريق اللحظ دمع كأنّماتشحّط من جفنيّ فيه قتيل

وقوله:

وباحث عن غرامي فيك قلت له:عنّي إليك، فلا عين ولا أثر
ويلي عليه، وويحي من تبذّلهوطالما صنته لو ساعد القدر

وقوله:

ولقد قنعت فلا قنعت بزورةولقد نجوت فما نجوت مسلّما
فأبحت سرح اللهو مرتاد الهوىومنعت طير الوجد أن يترنّما

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.