من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن الحسين الجفني البغدادي
من كرخ بغداد، يعرف بابن الدبّاغ. رجل يخال به الليل يتضح، ويخاف النهار ألا يفتضح. أشرق ضيا وأشرف على الصباح في بقية حيا. لم تلد مثله بغداد في زمانه بين جانبي شطّها، ولا وفت بشبهه في شرطها. كاد بنار فطنته يتآكل، وبما فطرته مبهم، حتى ماء دجلة أشكل. هذا إلى أدب غضّ المكاسر، بضّ الجثم فيما يتجرد عنه الحاسر. جمع في الصناعتين أسناهما وطلع أسماهما، وأتى بهما ذللا، ونشرهما بعد طول اللطى طللا.
ذكره ابن المستوفي، وقرأ على ابن الشجري، وأقرأ النحو والقرآن. وتوفي سلخ رجب سنة أربع وثمانين وخمسمئة. وأورد له ابن المستوفي قوله:
سقى ديارك غاد ملؤه نعمكالقرم يسدم فهو الهادر الواغي
وليفرع السعد فيه قادر صمدفلست أقنع من دجن بإفراغ
ما يوم خضل الجناب زجل الرباب، أدكن الجلباب، مذهّب الإهاب، مرج الحقاب، أرج النقاب، يزجّي العاميّ عشار غمامه المثقلة، وتمرّ الظباء جفل أخلاقه المهلّة، وتراعي قروم رعوده المجلجلة. وبقضب منابضة قواضب البوارق المسلّلة. عنبري الأرجاء عبيري
الأجواء. درر مزنه دارية، وحجا نظره بدريّة. وأنفاس جوده نديّة، ومعشوقة يومه سعدية، وسيوف إيماضه هبرية، وشنوف مزنه تبرية، ومطوقة اليوم كدريّه، ونفحات نسيمه عبيرية. عارض مغضب على المحل لا يخطر إلا وسيفه مسلول، والسحاب مرشوف الرضاب بمياسم الرياض والعبهر مشغوف. يرنو الشقيق حدق مراض، وقيان الطير قد اصطفّت على أفنانها، وحبست مثاني عيدانها فسوّف ألحانها. مالك بأداة الطوق. ما أجمل غرامك والشوق! ضعفت فهتفت، وألقت فأشفت. ناحت فأسهرت، وبالهديل لإلفك سحرت ألّحت فأفضحت، ونحت فاسترجت، أصحرت بغرامك فسلمت، وأسمحت بزمامك فما أمّلت.
هل لك يا ورقاء يا حمامهناصبة بالوجد مستهامه
أن أكون في الحب تلميذك، وأتقلّد بهمّتك، وبعوذك الذي أردت من الوجدان يعيذك، فأبدي كما أبديت، وأنتهي إلى حيث انتهيت. وأمضى في ذاك الصريمة حتى أنسى مسمّها ندماني جذيمة. وأفضّ القيمة من كل لطيمة، بأطيب من لحظات أفضيهن بإسلام المكتوب العالي الفلاني، أدام اللّه سلطانه فإني ما أزال أدافع بلثمه فاه، وشوقي إلى ذلك الجلال وبرحاه، وأسكن به غلواء الزفر واعتلاه.
كتمت الهوى يوم النّوى فترفّعتبه زفرات ما بهنّ جفاء
يكدن يقطّعن الحيازيم كلّماتمطّت بهنّ الزّفرة الصعداء
وبتّ يوم بهق الأديم يقق الضريم، سدر الصريم، حذر البريم، يحمد نفس
المهجور، ويخمد قبس المسجور. قد أرزمت الحرجف مرزمه، وهدمت من السماك لهدمه، وخذمت من النسر قوادمه، وجذمت من الأسد معاصمه. وألقمت العواء حجر جليدها، وزبنت الزباني عن أن تبلغ جيدها، والضريب شنب في أفواه الغيران، ووضح في أديم النيران، وعذب على أعنان الرعان، والدجى لمى في شفاه القيعان، وكحل في أحداق القنان. وقد يدفع الصبر معارف صاحبه، وينير أشآب الضباب، فودى حضن وأراب، وعمّم بالعبير يلملم، وشعفات عمائه ويرمرم. كان مصطليه والوقود يحفّه بحزم في الأطراف شوك العقارب. رددت زمهرير ذلك اليوم بأخفت أنفاسي الصعدا، وأضعف زفراتي البرما، مهيف الأحشاء، وميض الأجواء، أنفاس يومه محرقة، وظلاله مطرقة، يذيب الصيخود أواره، ويمنع الجلمود شراره يحرق الحجر، ويعرق الشجر، ويذهل الحربا عن استجلاء عروس الخربا. ويشتد لي لهبه فنشده عن الضرير جندبه فتستعر أجدال الأجزال عنده نار الحباحب، ويتولج العفراء جليس الفقراء
فيكون لها أسلم صاحب، فترى لغاب الغزالة دابيا، ومحيي اليوم ساحبا يلتهب فضاه، وينش أضاه، وتفوح رياضه، وتلوح حياضه. وقد غار في مكنس، وأخذ من اللهب الظبا والقسور.
ولم لا يطيل الشوق إلى ذلك الكرم الواسع، والجود المتتابع ليلي، وقد أساءت الأيام بتخلفي عن اعتمار ربعة العزيز من قسم السعادة كيلي. فكم ليلة بتّها نجيّ أرق، شكيّ حرق! ولي من الزفير فرق ومن الدمع شرق ومن اللّعج حرق، اطفئ بوهج الأضايع بتوكاف المدامع، وأتبرّم بالزهر الطوالع، والسهب النواصع، وأتمنى جفاهن وهن دراري دوافع، مسلّيات شوافع كأنمار بطن ناركان شروري وأحضان متالع. وأقول والكمال وازع والجلد نازع: متى ينبعث ثقال الليل الكسير الطالع؟ متى يطير غرابه الواقع؟ متى يهتدي نجمه الحيران؟ متى يوسن طرفه اليقظان؟ متى يفتر غباشه الغيران؟ متى يميل النجم إلى غربه؟ متى يفل شنب ذؤاله مسنون غربه؟ متى يتوشّى أدهمه بالبلق؟ متى يغشى معلمه بالفلق؟ متى ينحر غسقه بالشفق؟ متى يسخر نسقه بالنفق؟ متى أرى زنجيّه قد أبق؟ متى يركب طبقا عن طبق؟ متى يكرع خطّاره في ذات الآصاد من الصباح؟ متى يقطع أعوجيه مرر الشياح؟ هل جار الفسق فيرشد؟ هل طل الفلق فينشد؟ ثم إلى أن أصبح يقظا جسرا من مماصعة الزفرات، ويصبو طليحا من مكافحة الحشرات وإلى الله ﷾ أرغب في فك الأسير، وجبر الكسير، وتسهيل العسير في تقريب المسير إلى ذلك الجلال الأثير والمجد الخطير. فربّ عان في زيّ طليق، وربّنا بالإجابة جدير المثال العالي قد كان كنزه الاستلام والقبيل، وليس إلى نفع علّة الشوق إلا برشفة سبيل والإنعام العميم، والطول الجسيم مرجوّ في أن يشفع بمكتوب ثان أتخذه عوذة من ريب الزمان، كالسبع المثان. ولم أغلب في حساب الحول لأني كتبت ذلك المكتوب الأول في العام الماضي صبيحة ليلة النصف من شعبان والله سبحانه
يقول: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اَللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللّهِ (¬﴾. وأنا هاجرت بخدمتي في العام الأول وأتممت هجرتي، وكان مبداها صبيحة نصف شعبان. وعلى ذلك أجري الحساب على ممرّ الأحقاب. وكذا هذه الخدمة شرعت في سطرها صبيحة نصف شعبان من عامنا هذا، بعد أن ختمت عليها ختمات، أشفعهن بصالح الدعوات لمولانا أعزّ الله إبصاره وأعلى اقتداره.
كان مسلم بن قتيبة في مصاف الترك. فسأل عن محمد بن واسع، فقيل إنه في ناحية من الجيش متوكئا على سيّة قوسه، يشير بإصبعه إلى السماء. فقال: واللّه لتلك الإصبع الفاردة أحبّ إلي من عشرة آلاف ذراع، وأنا من متجندة الخدمة العالية في ليلي وإعلاني وإسراري، أرغب إلى الله سبحانه بالأدعية الصالحة لبهي دولته وسابغ نعمته إلى مضانّ الإجابة مشفوعة بصدق الإنابة. تقبّلها الله برحمته، والرأي أعلى. قال ابن المستوفي: ونقلت من خط ابن الجيمي، من شعر الجفني:
لهجت بليلى حبّها وودادهاوأكرم بها في قربها وبعادها
يلذّ لعيني لادّكار وصالهاوأيامنا بالجزع طول سهادها
وأخشى وعيد الطيف إن زار قائلاأعيناك تلتذّان طيب رقادها
فدع ذا وعدّ القول في ذكر ماجدتسنّم في العلياء أسمى نجادها
حلفت بها كالخال في جنة العلاتباري لدى أطوادها ووهادها
رحلن نواء كالهضاب توامكاتناضل في غيطانها وصمادها
فلم يزل الإيغال يعرق لحمهاويجفن من نون الذؤوب وصادها
إلى أن بدت مثل الأهلّة شفّهانحول المحول في سنين جمادها
عليها الملبّون الطلاح يهزّهمإلى ركنها والخيف خوف معادها
يمينا لإبراهيم أكرم ماجدنخته المهارى أو شجا في اعتمادها
يرود النفوس في رياضه كمالهوأخلاقه الحسنى كريم مرادها
طويل رداء الفضل والعلم والنّهىحميد قصير الرأي مولى سدادها
تمنّته عيني أن تراه وإنّهأعزّ وأوفى عندها من سوادها
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع