تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو الحرم

مكي بن ريّان بن شيبة بن صالح الماكسيني صائن الدين. لسان من ألسنة العرب، وإنسان لا يقاومه نبع ولا غرب. لا يكون البدر التمام إلا نحوه، ولا يسلك الصباح المعرب إلا نحوه. انتفع به الخلق، وارتقع به من كلام العرب الخرق. وكان في بلده يستسقى صيّبه ويستدنى أدبه. ولم يكن من أنباتها الطلبة، ورؤسائها أهل المرتبة إلا من ينظر حيث السهى، وترى أنه إذا بدا بالأخذ عنه انتهى.

قال ابن المستوفي: هو شيخنا جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب. واحد القصر وفريد الدهر، المجمع على دينه وعقله، والمتفّق على علمه وفضله.

ولد بماكسين من ولاية سنجار، ونزل الموصل بعد أن رحل في طلب العلم إلى بغداد، ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث. وكان واسع الرواية، شائع الدراية.

أخبرني لما رحلت إليه الرحلة الثانية بالموصل سنة سبع وثمانين وخمسمئة أنه ورد إربل، وأقام بمسجد قريب من باب القلعة الغربي بعد أن أضرّ وكان سبب عماه جدريا لحقه، وهو ابن ثمان أو تسع سنين. وكان يقول: أعرف من الألوان الأحمر. وكان على غاية الذكاء والفطنة. فكنت أقرأ عليه كتاب المجمل، لأبي الحسين أحمد بن فارس معارضا بأصل، وهي من كتابة في وسطه. فلمّا انتهت بي القراءة إلى أول تلك الورقة، قال لي: هذه الورقة بغير خطّ الأصل؛ فتأنّ في القراءة ليصلحها المعارض لك. وأحكم القراءات كلّها، الأصول

منها والشواذ. وكان يقرأ عليه القرآن في كل يوم تلقينا وتحريرا جماعة تزيد على الخمسين، ونصّب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز، وجميع ضروب الأدب. فكان لا يتفرّغ إلا للصلاة المكتوبة أو لما لا بدّ منه. ويخرج عليه جماعة من أصحابه شهّروابه سوى من تردّد إليه، فلم يظفر بمطلبه.

أخذ النحو عن أبي البركات الأنباري، وأبي محمد ابن الدهّان، واتصل أبو الحرم بالملك الظاهر غازي، وأقام بحلب مدّة، وهمت عليه سحب إكرامه واتصلت به ضروب إنعامه.

وكان حيث خرج من الموصل لم يمكّنه سلطانها من السفر، حتى ضمن على نفسه بالعود إليها، وكفله أبو السعادات ابن الجزري. وكان قد جعل سبب سفره زيارة بيت المقدس، فأقام بحلب. فلمّا بلغ تأخره صاحب الموصل، قال: ما يضرّ الموصل ألا يكون فيها أبو الحرم، فأحسن المحدّث له الاعتذار عنه، ثم وصل إلى الموصل عائدا من حلب في رمضان سنة ثلاث وستمئة، وأقام بها مريضا مدّة يسيرة، ثم توفي بها ليلة السبت سادس شوال منها، وخلّف ولدا صغيرا.

قال أبو المعالي ظافر بن الوهاب الموصلي: كان ﵀ ربّما فرض في بعض الأوقات الأبيات من الشعر. ولم يكن شعره على قدر فضله؛ إذ هو فلك النكت والعيون، وأنا أورد من مختاره وجيّده، فمن ذلك قوله:

سئمت من الحياة فلم أردهاتسالمني وتشجيني بريقي
عدوّي لا يقصّر في أذاتيوتفعل مثل ذلك في صديقي
وقد أضحت لي الحدباء داراوأهل مودتي بلوى العقيق

قال: ومن جيّد قوله:

على الباب عبد يسأل الإذن طالبابه أدب لا أنّ نعماك تحجب
فإن كان إذن فهو كالخير داخلعليك وإلا فهو كالشرّ يذهب
للشاعر مكي بن ريان أبو الحرم الماكسيني، اقرأ القصيدة

وكان أبدا يتعصب لأبي العلاء المعرّي، ويطرب إذا قرئ عليه شعره للجامع بينهما من

العمى والأدب، فسلك مسلكه في أبيات تائيته، أولها:

هات الحديث عن الخابور لا هيتاولا المحلّين بغداد وتكريتا
قومي وأين كقومي في الورى بشريأتون في كل حال شئت ما شيتا

ومنها:

فيا أخلاي هنّيتم به قطناوأنت أيضا بذاك السكن هنيّتا
إن فاتني فيكم عيش ألذّ بهفإنّ شوقي إليكم قطّ ما فيتا
ويا منبّئي الأنباء عن بلديإن كنت حيّيتهم عني تحيّيتا
هناهم بي في الآفاق طيب بنايفوّق العرف عرف المسك مفتوتا
وقائل قال تسلاه فقلت لهحبّ المواطن فرض كان موقوتا

وذكر بعد ذلك أسماء مواضع من بلد ماكسين ينفر عنها الطبع، ويمجها لغلظها السمع.

وقال يخاطب البرق المومض من نواحيها، ويأمره سقيا أماكن عدّدها فيها:

واذكر مغاني من أرض الحصين ومنتحناس والمنحنى إن كنت أنسيتا
وغير ناس إذا لم تنس جلدتهاالعليا وأوسعها هاميك نبيّتا
وأختهن عرايانا ومجد لهاودامسا وصحاريها الأماريتا
فإن فعلت وإلا كنت معتمراأتى المقام ولم يأت المواقيتا
هم المعاشر لا مجد كمجدهموأبعد الناس ما بين الورى صيتا
والقوم في الأمن أملاك مسالمةوفي الهياج يخالون العفاريتا
وفي الرّحال إذا صاحبتهم خدمواوفي المجالس توقيرا وتثبيتا

ويتلوه منها ما أغمض معناه وأبعد مغزاه قوله:

لم يمس قوت امرئ من غيرهم نشباإلا وأمسى لهم إعطاؤه قوتا
وطالما قلت والأشواق تلعب بيإليهم ويريني الناس مسبوتا
لو أنهم وصلوا حبلي بحبلهمجعلته من جميع الناس مبتوتا

قال ابن المستوفي: كتب إليّ أبو الحرم ﵀ بخط أبي الحسن علي بن أبي بكر الصفّار يتنجّز فيه إعادة كتاب الهمز، وهو قصائد مهموزة بخط أبي منصور ابن الجواليقي، قرأتها عليه واستعرتها منه ونسختها. ولم يقع له بقية بعدها على يديه، فتأخّر ردّها، أو خشي فراق فلان، بلّغه الله أنفس الأعمار وأبلغ الأمد، وقربه من أبعد الأماني بعد بعد المدد، وأنجز أمل غايته وغاية أمله، وجمل غاية أمله بفسحة أجله؛ حتى يحوز من المراتب أسناها وتقتني من المعاني والمعالي منتهاها. ويشعره أن الحاجة داعية في هذا الوقت إلى كتاب الهمز، وقد تكررت كتبي في هذا المعنى، وما عرّفني سبب تعويقه وفي ذلك أقول:

متى أنا راء نسخة الهمز في يديوقلبي خلاء من مساورة الهمز
فإن يد الإنسان أهون عارضامن القلب يرمي بالوساوس والوخز
أفي خيمكم أني أعرّض للأذىوأنتم أولو الإحسان في اليأس والمزّ
وقد كنت أرضى دفعكم عن حقيقتيإذا ما سواكم رام منّي ما يجزي
لك اللّه لا تذعر خليلا بشيءولا تجزه إلاّ جزاه الذي يجزي
فإن لم تعجّل لي جواب رسالتيشكوت إلى كافي الكفاة أبي العزّ

أبو العزّ، هو المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب. وكنيته اسمه، إلا أنّ بعض الناس كان يسميه المظفر. وتوفي له ابن كان سمّاه محمدا، فكتب إليه أبو عبد الله البحراني كتابا يعزيه. أوّله:

لا زالت الأيّام واهية القوىتشكو مضاجعها جفاء العوّد
وتبدّلت أيامهنّ ليالياإذ كان فيها مثل يوم محمّد

فكتب إليه ﵀:

محمّد إن غال الحمام محمدافأنت لنا أخ وخلّ وناصح
فليت الليالي جدن منك بنظرةتعادي ولو أن الحمام يراوح

ومما رواه أبو الحرم عن علي بن موسى الرضا: ثلاثة موكل بها ثلاثة تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعاداة القوام لأهل المعرفة.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.