من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني
الإسماعيلي النحوي، أبو بكر. الإمام في علم العربية، مجلي حنادس، ومصدّق ظن حادس. جعل فسحاء الكتب مراحه، وخالف زمانه على عدم الراحة، فكان يحمل نفسه فوق الطاقة، ولا يصالح شمسه بالعاقة فلم يأته ليل إلا وجدّ زناده في شوقه، وجدّ عادة
منه حتى فكّك أزرار نجومه من طوقه، ثم لم يزل حتى يخلط أول ليله بنهاره، ويجمع في طرفيه بين سقيفه ونهاره. فلا يخفف عنه شفقا، ولا يعرف أصيلا ولا شفقا؛ ولهذا ساد وساد ذكره بين تأويب وآساد. وهو من أئمة البيان، وأهله أهلّة الأعيان، أظهر اللطائف وبيّنها ومثّلها للعيان، وعيّنها، فأخرج خباياها، وأبدى خفاياها، وأتى فيها من شهد النحل ما ضمّت خلاياها، فأخذ اللبّ وترك القشور، وأبقى من صحفه ما لا يطوى إلى يوم النشور.
وأخذ النحو عن أبي الحسن، عبد الوارث ابن أخت أبي عليّ الفارسي. ولم يلق شيخا مشهورا غيره، لأنه لم يخرج عن جرجان. وكان ينتحل مذهب الشافعي، وأصول الأشعري.
وبرز على من تقدّمه، وأعجز من تأخّر عنه، وتوفي سنة إحدى وقيل سنة أربع وسبعين وأربعمائة. ومن شعره ما قاله ارتجالا، ممّا يكتب على القلم:
مهما حصلت بكفّ خير النّاسسعد جلوت المجد في القرطاس
ولقيت آمال العفاة بنجحهاوقلعت بالنّعمى عروق الياس
وغدوت والسّيف المهنّد خادميوترى الأسنّة لا تقوم لناسي
وقوله في معنى:
أتيه على الحسام إذا جرت بييد الشّيخ الإمام أبي المحاسن
أقصّي الجود عنه في البراياوأطلع بالمناجح والميامن
ومنه قوله:
أعرض عن العقل لا تردهومل إلى الجهل ميل هايم
وعش حمارا تعش بخيرفالسّعد في طالع البهائم
ومنه قوله:
لا تأمن الغيبة من شاعرما دام حيّا لافظا ناطقا
فإنّ من يمد حكم كاذبايحسن أن يهجوكم صادقا
وقوله أيضا:
لا يوحشنّك أنّهم ما ارتاحواممّا جلاه عليهم المدّاح
فهم كقوم علّقت ثاراتهمبيض المرامي والوجوه قباح
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع