من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الحسن الزمخشري
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي. إمام أيّ بحر بين جنبيه، وأيّ طودخبا في ثوبيه. أيّ بدر طلع من عرفه، وأيّ برق تهلّل في شرفه. شهم أي شهم، وخاطر لا يمرّ به وهم؛ إلاّ أنه كان من رؤوس الاعتدال، وصدور أهل الاعتلال، كلمة أجمع عليها أهل السنّة وأطلقت عليه بالتحقيق لا بالظنّة، بان بها انكشافه، وحقّق أمرها كشّافه، وجاور البيت الحرام بمكة باقي مدّته، وثوى بها ثواء لا هبوب من رقدته. وكان بها ربيعا لأهل ذلك الوادي، وضياء لأهلّة ذلك النادي. تسري الركائب إليه، وترى الوفود تمام الحج أن تقف المطايا عليه. وكان يسمّى جار الله وهكذا كان يكتب في الفتاوى. ويقال: إنه كان يرى جواز إباحة المنفعة، ولا يصرّح منه إلاّ بطرف إيماء. وقيل: إنه ربّما فعله مع بعض أعزاء أضيافه وأخصّاء نزلائه من أهل ائتلافه.
كان واسع العلم كثير الفضل، غاية في الذكاء وجودة القريحة، متقنا لكل علم، معتزليا قويا في مذهبه، مجاهرا به، حنفيّ الفروع. ورد إلى بغداد غير مرّة، وجاور بمكة، وتلقّب بجار الله تشبيها بأبي المعالي الجويني؛ إذ يلقب بإمام الحرمين لمجاورته بهما. وكان يلقب
أيضا بفخر خوارزم.
دخل عليه بعض الفضلاء، فقال له: بم عاجلك الشيب؟ قال: بمتابعة الأسفار ومطالعة الأسفار فقال الزمخشري: إنّ رواءه يدلّ على ما وراءه.
وأصاب الزمخشري في رجله خراج فقطعها، ووضع عوضها رجلا من خشب. وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظنّ من يراه أنه أعرج.
ومن شعره ما قاله في شيخه فريد العصر، أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني:
سلام عليكم أدمعي قلمّا ترقىإذا سمت من تلقاء أرضكم برقا
ومن عجب أنّي إذا لاح بارقبأرضكم استمطرت أجفاني الودقا
وما خلت هذا البرق إلا ابتسامةبسعدي أضاءت عند إيماضها الأفقا
أأومض برق أم سعاد تبسّمتفما تعرف العينان بينهما فرقا
تمنّيت لو يغني التمنّي لقاؤهابوقع رماح الخطّ من دون أن تلقى
خليليّ هل أيامنا بسويقةرواجع أو طارت بأيامنا العنقا
مقيل شباب قد تقلّص ظلّهومشرع لهو آض سلساله رتقا
إذا الرّيح من شرقي لهو تبسّمتفيا برد صدري حين انشقها نشقا
ولهفي على عصر تقضّى مناسبسحابا فريد العصر أو وجهه الطلقا
وقوله يرثي شيخه المذكور:
وقائلة ما هذه الدّرر الّتيتساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت لها الدرّ الذي كان قد حشيأبو مضر فيه تساقط من عيني
وقوله:
أبادية الأعراب بعدا فإنّنيبخاطرة الأتراك نيطت علائقي
وأهلك يا نجل العيون فإنّنيبكيت بهذا الناظر المتضايق
وقوله:
تزهو علينا بقوس حاجبهازهو تميم بقوس حاجبها
وسمع الزمخشري قول القائل: إن السفيه إذا لم ينه مأمور، فحذا حذوه، فقال:
وإذا سفيه عضّني في مجلسونهاك من غرر الأكارم معشر
فهم الألى عضّوا إذا ما هم رضواوهم الألى نكروا إذا لم ينكروا
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع