من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن المعتز
الصفحة ١ من ٢
وهو أبو العباس عبد الله بن أبي عبد الله الزبير المعتز بالله ابن جعفر المتوكل ابن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد المهدي محمد ابن أبي جعفر عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم. نسب كان عليه من شمس الضحى نورا، ومن فلق الصباح غمورا. ملك تفرّد بالصفات الحسان، وجمع العدل والإحسان، وأقدم وقد خرس كلّ لسان يقب عن أسرار الكلام، وإخراج زهره من الكمام. فوضح البيان، ولمح ملء العيان. واجتليت أقماره الطوالع واجتنيت أفواده اللوامع. وكان زينة لسمائه، وحلية لصباح زمانه ومسائه. يخال ذكره عنبرا يفوح في الأسحار، وجوهرا يلوح في قلائد الأسمار. من أثرى من حاصل ديوانه أوسع إن كان منفقا، وأيسر ولو كان مملقا. وتقدّم والناس وراءه، والنهار يلبس آراءه. فوقف وقفة قدامه يتعلم، وقال أو سكت لا يتكلم. ولم يكن أولى منه بالخلافة، ولا أحقّ منه أن يرث أسلافه؛ وإنما أخّره تقدمه، وعرض سمهريّه على النار مقوّمه. وما زال الزمان مغرى بخط كل رفيع، ولا ساءه إلى من لا يحتاج محاسنه إلى شفيع، وله ذكر في الخلفاء. ولد لسبع بقين من شعبان سنة سبع واربعين ومئتين وأبوه المعتز.
أمه أم ولد، اسمها قبيحة، سميت بذلك لفرط حسنها. وزعم ابن خلكان أنه كان حنفي المذهب. قال: ويدل على هذا قوله في الخمرة المطبوخة:
وقتني من نار الجحيم بنفسهاوذلك معروف لها ليس تجحد
والأغلب والله أعلم أنه كان حنبلي المذهب على ما يأتي؛ وإنما قال هذا في الخمرة تفسحا في القول على عادة الشعراء في التقبيح في القول.
وأخذ الأدب عن المبرّد وثعلب وغيرهما. وكان محبّا للعلماء معدودا منهم ولم يزل مرشحا للخلافة مؤهلا للملك، يخاف ويرتجى إلى أن كان ما كان من المقتدر من فساد الأمور، وضياع الجمهور؛ لصغر سنّه، وغلبة النساء عليه. ورأى العباس بن الحسن الوزير أن هذا يفتقر إلى خلع المقتدر، ومبايعة أبي العبّاس فدعا إلى ذلك الحسن بن أحمد، فقام إليه داعيا، وتردّد في التمام له ساعيا إلى أن انقاد غالب العامة، وخاصة أرباب العقد والحل، كمحمد بن داود القاضي، وأبي المفتي أحمد بن يعقوب، وبدر الأعجمي، وصوارتكين التركي، ثم راسلوا أبا العباس فأجابهم على ألاّ يسفك دم. ثم بدا للوزير لاقتداره على المقتدر وضعف أيسر أهل رأيه متخليا عن الفريقين، بعد أن شبّ نهارها، وشدّ أوزارها، فلحق به حمدان وبدر الأعجمي ووصيف فقتلوه، ثم قتلوا في غد ذلك اليوم فاتك المعتضدي، وكان عضدا للمقتدر، وذلك يوم السبت لتسع بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومئتين. وركض ابن حمدان إلى الخلية نحو المقتدر يطلبه بالتدمير، وكان المقتدر هناك يلعب بالكرة، فلما بلغه مقتل الوزير أطلق عنان جواده والتحق في القصر بأمداده، ثم أمر فغلّقت أبواب القصر وطوّق بالمقاتلة مستعدا للحصير، فكرّ ابن حمدان راجعا يتلظّى ندما؛ لكونه لم يبدأ به، وأحضر أبا العباس في يومه، وبايعه الناس بالخلافة على يد محمد بن سعيد الأزرق، ولقّب الغالب بالله، وقتل المتصف. والأول أصح. ولم يتأخر عن بيعه سوى الحسن بن الفرات فاستوزر محمد بن داود، وقلّد علي بن عيس الدواوين، وكتب الكتب ببيعته إلى الآفاق وأرسل إلى المقتدر يأمره بأن ينتقل إلى دار عبد الله بن طاهر، فأجابه بالامتثال، وسأله في المهلة، وأصبح ابن حمدان إلى دار الخلافة، والمقتدر بها ليخرجه منها فقاتله الغلمان والخدم عامة النهار، ولم يكن قد بقي مع المقتدر سوى مؤنس الخادم
وبعض حاشية الدار. وتربّص ابن حمدان الغفلة، فلما نصل الدجى الذي صبغه المغرب، ووضع حمله الليل المقرّب، وجنين الفجر قد كاد أن يرمي سقطا، وأنامل الصبح قد كادت تأتي على دراهم النجوم لقطا، وقد تثاءب المشرق وآن المغرب الذي تمطّى، وتمشّى نسيم السحر وتخطّى فاقتعد جمله وقبل السرى أمله، والحذر يستطيره، والخوف يدني منه جناح طائر يستعيره ودام سارحا في نهاره، وساربا في أنهاره؛ حتى إذا دميت في الأصل أخفاف مطيه الخفيّة، وطفيت جديدة النهار في عين شمسه الحميّة، نزل ليريح ويقيم جنب نضوه الطريح؛ فبينما هو قد ترك بقيته، ومسك الليل قدد رقيته أدركته بادرة الخيل وألقته جدا سهيل. وكان سبب رحيله أن أبا العباس عدل بالحجبة عنه، وكان يريدها ويحضّها، ولو قطعت أوداجه ووريدها، فحقدها عليه وأرقدها لديه. ثم إن أهل القصر أجمعوا على الصعود من الماء لاغتيال ابن المعتز، فلمّا رآهم أصحاب ابن المعتز أكبروهم، وقالوا: هذا رأي ابن حمدان، ولهذا تركنا وفرّ، وظنّوها من رأيه، فخرج ابن المعتز، ومعه محمد بن داود الوزير، وبين أيديهما غلام ينادي، يا معشر المسلمين، ادعوا لخليفتكم هذا السني البربهاري؛ إشارة إلى أنه على مذهب أهل السنّة، خلافا للمقتدر، وأهل بيته. والبربهاري، هو أبو الحسن ابن أبي القاسم البربهاري مقدّم الحنابلة؛ وكان لأهل السنّة وسائر العامة فيه رأي جميل. وكان ابن المعتز على مذهبه، ثم سار إلى الصحراء وهو يظنّ أن الجنود تتلاحق وراءه فلم يلتحق به أحد، ولا مدّ إلى بصره مدى خطوة، ولا ساعد يد، فهم مقصد شرّ من راء ليشدّ بها سلطانه، ويجتمع عليه فيها، فلمّا أخفقت أمانيه نزل عن دابته، وقطع أطماع إرادته، والتحق بابن الجصاص الجوهري، فاستجار بجواره واختفى في داره، فوشى به خادم لابن الجصاص صغير، فأمسكه المقتدر وسلّمه إلى مؤنس لأمر قد قدر، فأخرج إلى أهله في اليوم الثاني من خلافته قتيلا في كساء لا ثائر له إلا دموع النساء. فرحمه الله وغفر له وأكرم لديه في الجنة نزله. ورثاه علي بن محمد بن بسام بقوله:
للّه درّك من ميت بمضيعةناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ ولا لولا فتنقصهوإنما أدركته حرفة الأدب
قلت: ومن غرائب الأمور وعجائب ما جرى به القدر المأمور أنّ ابن حمدان هذا؛ بل كل بني حمدان كانوا في غاية التشيع، وخصوصا هذا الحسن فإنه كان رأسا في الغلاة، وكان ذا لسن، وكان ابن المعتز غاية في التسنّن وخصما في الجدال، تخرس له الألسن. وكان ابن حمدان هو القائم في قيام ابن المعتز على بعد ما بينهما وتنائي جانبيهما، وكل واحد منهما لم يبرح للآخر مناقضا، ولقواعده في المذهب معارضا؛ إلاّ أنّ الله إذا أراد أمرا أتمّه وكان أمر الله مفعولا.
وكان ابن المعتز رأس أهل اللغة والنحو، متقنا للأدب عالما بالبيان عارفا بفنونه، مطّلعا على مكنونه. أعرف أهل زمانه، بل الناس، مطلقا به، مائلا إلى الغزل وضروبه، مولعا بالتشبيه والأوصاف، مجيدا فيهما وفي التشبيه أكثر. وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر؟ لقلت: قول العباس بن الأحنف:
قد سحّب الناس أذيال الظنون بناوفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركموصادق ليس يدري أنه صدقا
ومن مأثور كلامه في علم البديع قوله في الالتفات:
الالتفات، انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز ب «الحمد للّه ربّ العالمين» ثم قال: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ (¬﴾. ومثاله في الشعر قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوحسقيت الغيث أيتها الخيام
أو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار، كقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ (¬﴾. ومثال ذلك من الشعر قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظنّي غيرةمنّي بمنزلة المحبّ المكرم
كيف المزار وقد تربّع أهلهابعنيزتين وأهلنا بالغيلم
وقال: التمام، هو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمّه وهو أن الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه ومبالغته أن لفظه يوهم بأنّه تام.
ومثاله، قول تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً (¬﴾.
فقوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ تتميم، وقوله تعالى وهو مؤمن تتميم ثان في غاية البلاغة التي يذكرها ثم معنى الكلام. وقد ذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في البديع عتاب المرء نفسه، ولم ينشد فيه سوى بيتين، ذكر أن الآمدي أنشدهما عن الجاحظ، وهما:
عصاني قومي والرّشاد الذي بهأمرت ومن يعص المجرّب يندم
فصبرا بني بكر على الموت إنّنيأرى عارضا ينهلّ بالموت والدّم
قال شيخنا ﵀ في حسن التضمين، ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب:
أعوذ لمّا بتّ ضيقا لهأقراصه مني تناسين
فبتّ والأرض فراشي وقدغنّت قفانبك مصاريني
وذكر في الاستطراد أنّ ابن المعتز سمّاه: الخروج من معنى إلى معنى، وفسّره بأن قال: هو أن يكون المتكلّم في معنى فيخرج بطريق التشبيه، أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمّن مدحا، أو قدحا، أو وصفا ما. وما أنشد فيه:
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّةإذا ما رأته عامر وسلول
وله نثر بديع منه قوله: والأرض عروس مختالة في حلل الأشجار، متوجة بأكليل الأزهار. والجوّ خاطب لها، قد جعل يشير بمحضرة البرق، ومتكلم بلسان الرعد، وينثر من القطر أبدع نثار.
قوله: وطارت به كل خوّارة العنان نازعة الأشطان، تنفر نفار الظليم وتنظر بمقلة غزال تحت سالفة ريم. كأنما خلقت قوائمها من الرياح، واعتصبت ثوب الظلام فلطمها في وجهها الصباح.
ومنه قوله: فكم تسنّم من حبل يعطس بأنف شامخ في الهواء ويتفنس، فتصدأ مرآة السماء منه.
وقوله: ولولا أن ساحة هذه الأيام قصيرة المساحة، يكاد يشير بالراحة لقصده سعيا على القدمين، ونقل التهنئة إلى قلبه من طريق السمع لا من طريق العين.
منه قوله: وسار فلان في جنود عليهم أردية السيوف وقمصان الحديد فكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن دروعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها. وقد نشرت في وجهها غرر كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأنه أساور اللجين، وقرطت غدرا كأنها الشنوف تتلقف الأعداء أوائله، ولم ينهض أواخره. قد صبّ الله عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النصر ومن نظمه قوله:
لذي الدّار مني زفرة ونحيبوقلبي شج إن لم يمت فكئيب
خلا الرّبع من سكّانه ولقد يرىجميل بهم والمستزار قريب
إذ العيس حلو ليسن فيه مرارةهنيّ وإذ عود الزّمان رطيب
وفي كلّ تسليم الزّمان تحيةوفي كلّ لحظ للحبيب حبيب
ومنه قوله:
وبكيت من طرب الحمائم غدوةتدعو الهديل وما وجدت سميعا
ساعدتهنّ بنوحة وتفجّعوغلبتهنّ تنفّسا ودموعا
أفنى البكاء هموم قلب موجعلو كنّ في صخر لكنّ صدوعا
يا قلب ليس إلى الصّبا من مرجعفاحزن فلست بمثله مفجوعا
ومنه قوله:
كم ليلة شغل الرّقاد عذولهاعن عاشقين قواعد اللّقياء
عقدا عناقا طول ليلهما معاقد ألصقا الأحشاء بالأحشاء
حتى إذا طلع الصّباح تفرّقابتنفس وتلهّف وبكاء
ما راحنا تحت الدّجى شيء سوىشبه النجوم بأعين الرقباء
ومنه قوله:
أصانع أطراف الدّموع فمقلتيموقّرة بالدمع غربا على غرب
وهل هي إلاّ حاجة قضيت لناولوم تحمّلناه في طاعة الحبّ
ومنه قوله:
لمّا رأيت الدمع يفضحنيوقضت عليّ شواهد الصبّ
ألفيت غيرك في ظنونهموسترت وجه الحبّ بالحبّ
ومنه قوله:
غضب الإدلال من رشألا بس للحسن جلبابا
غصن يهتزّ في قمرراكضا للوشي سحّابا
أثمرت أغصان راحتهلجناه الحسن عنّابا
ومنه قوله:
هي الدار إلاّ أنها منهم قفروإني بها ثاو وإنهم سفر
حبست بها لحظي واطلقت عبرتيوما كان لي في الصّبر لو كان لي عذر
كأنّي وأيامي التي طوت النّوىنجيّان باتا دون لقياهما ستر
فدع ذكر شيء قد مضى ليس راجعافذلك دهر قد تولّى وذا دهر
وقوله:
وشمس ليل طرقتها فبدامنها صدود ما كنت أحسبه
تقول من جاء وهي تعرفنىيا لصّة القلب جئت أطلبه
ومنه قوله:
ثمّ أتيته بحسن صورتهعبث الفتور بلحظ مقلته
وكأنّ عقرب صدغه احترقتلمّا دنت من نار وجنته
ومنه قوله:
قالوا الفراق غدا لا شكّ قلت لهمبل موت نفسي من قبل الفراق غدا
إني إذن لصبور إن بقيت وقدقالوا الفراق وإن لم يرحلوا أبدا
ومنه قوله:
ربّ ليل أحييته بزفيروهموم تكوي الحشا والفؤادا
بات طرفي يشيّع النجم فيهكلّما خلته يسير تمادى
ومنه قوله:
ومستكبر يزهي بخصر وساربوفترة أجفان وخدّ مورّد
تبسّم إذ ما زحته وكأنّماتكشف عن درّ حجاب زبرجد
ومنه قوله:
وفاحم مال على الخدّمثل العناقيد على الورد
وصولجان الصّدغ مستمكنللضّرب من تفّاحة الخدّ
ومنه قوله:
لمّا وقفت بذلت بالهجرورميتني من حيث لا أدري
ما كنت تدري كيف تقتلنيفهجرتني وفطنت للهجر
ومنه قوله:
يا هلالا يدور في فلك البارود رفقا بأعين النظّاره
قف لنا في الطريق إن لم تزرناوقفة في الطريق نصف الزّياره
ومنه قوله:
ما أقصر اللّيل على الرّاقدوأهون السّقم على العائد
تفديك ما أبقيت من مهجتيلست لما ألويت بالجاحد
كأنّني عانقت ريحانةتنفّست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص حسبتنا من جسد واحد
ومنه قوله:
إن جاء في الليل تجلّى وإنجاء صباحا زادنا نورا
فكيف أحتال إذا زارنيحتى يكون الأمر مستورا
ومنه قوله:
قالت لأختيها ألم ترياإن قد أجدّ البين بالسّفر
ما للمضاجع لا تلائمنيوكأنّ قلبي ليس في صدري
ومنه قوله:
ألست ترى النّجم الذي هو طالععليك فهذا للمحبّين نافع
عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظهويجمعنا إذ ليس في الأرض جامع
ومنه قوله:
ومن دون ما أبديت لي يقتل الفتىويمشي جليد القوم وهو ضعيف
ولم أدر أنّ البان يغرس في النّقاولا أنّ شمسا في الظلام تطوف
ومنه قوله:
إني لأحسد كاسا حين يلثمهاحتى أبيت سخين العين مرتفقا
وتنطوي النّفس من وجد ومن أسفإذا غدا لنجاد السّيف معتنقا
ومنه قوله:
لجّ الفراق فويح من عشقاما الدمع إلاّ للنّوى خلقا
أرأيت لحظتها وما صنعتهل بعدها للعاشقين بقا
يا صاحبيّ ترقّبا تلفيإن لم يطر قلبي فقد خفقا
ومنه قوله:
ومتيّم جرح الفراق فؤادهفالدّمع من أجفانه يتدفّق
هزّته ساعة فرقة فكأنمافي كلّ عضو منه قلب يخفق
ومنه قوله:
شفّعيني يا شرّ في ردّ قلبيفلقد طال حبس قلبي لديك
وأذني في الرّقاد لي إنّ عينيتستعير الرّقاد من عينيك
أوهبي لي صبرا أردّ به الدمع فإني أخاف دمعي عليك
ومنه قوله:
إنّ الّذين بخير كنت تذكرهمقضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا
لا تطلبنّ حياة عند غيرهمفليس يحييك إلاّ من توفّاكا
ومنه قوله:
أعاذلتي لا تعذلي عاشقا مثليولكن دعيه واعذري الحبّ من أجلي
ونوحي على صبّ بكت عائداتهصريع القدود الميل والأعين النّجل
رمين فلما أن أصبن مقاتليتولّين فانضمّت جراحي على النّبل
ومنه قوله:
صدّت شرير فما تكلّمنيكم ذا التجنّي على المحبّ كم
دعت خلا خيلها ذوائبهافجئن من رأسها إلى القدم
ومنه قوله:
تعال قد أمكن المكانواجسر على القلب يا جبان
عجّل فإنّ الزمان غرّمن قبل أن يفطن الزّمان
ومنه قوله:
كم ليلة عانقت فيها بدرهاحتى الصباح موسّدا كفيّه
ما زلت أشرب خمرة من ريقهوتحيّتي تفاحتا خدّيه
فسكرت لا أدري أمن حبل الهوىأم كأسه أم فيه أم عينيه
ومنه قوله:
قلوب الناس أسرى في يديهوثوب الحسن مخلوع عليه
أسرّ إذا بليت وذاب جسميلعلّ الريح تحملني إليه
ومنه قوله:
وبكيت من جزع لنوح حمامةتدعو الهديل فظلّ غير مجيبها
نحنا وناحت غير أن بكاءنابعيوننا وبكاءها بقلوبها
منع الزيارة من شريرة خائفلو يستطيع لبات تحت جيوبها
ساءت بك الدّنيا وسرّت مرةفأراك من حسناتها وذنوبها
ويجرّ لي بالمطل موعد حاجةلو شئت قد برد الغليل بطيبها
محبوسة في كفّ مطلك طالماعذّبتني وشغلت آمالي بها
ومنه قوله:
صدّت وأغرت طيفها بمتيّمإن الفراق لمغرم بالمغرم
وبدت فحسبك من وشاح ناطقكثرت وساوسه وحجل مفحم
وكأن فاها بعد آخر رقدةمتسحّر بعقاردنّ معلم
ومنه قوله:
وكم عناق لنا وكم قبلمختلسات حذار مرتقب
نقر العصافير وهي خائفةمن النّواطير يانع الرّطب
ومنه قوله:
قل لأحلى العباد شكلا وقدّاأبجدّ ذا الهجر أم ليس جدّا
ما ترى في متيّم بك صبّخاضع لا يرى من الذلّ بدّا
إن زنت عينه بغيرك فاجلدها بطول السّهاد والدمع حدّا
ومنه قوله:
لقد هتكت دموع العين ستريوأحرقني هواه بغير نار
ويخجل حين يلقاني كأنيأنقّط خدّه بالجلّنار
ومنه قوله:
وفي عطفه الصّدغ خال لهكما أخذ الصولجان الكره
ومنه قوله:
سقى الجزيرة ذات الظل والشجرودير عبدون هطال من المطر
فطالما نبّهتني للصبوح بهافي غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير في صلاتهمسود المدارع نعّارين في السّحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلواعلى الرءوس أكاليلا من الشّعر
لا حظته بالهوى حتى استقاد لهطوعا وأسلفني الميعاد بالنظر
فقمت أفرش خدّي في الطريق لهذلا وأسحب أذيالي على الأثر
وكان ما كان مما لست أذكرهفظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
ومنه قوله:
له شافع في القلب مع كلّ زلّةفليس بمحتاج الذّنوب إلى العذر
تجاذبني الأطراف بالوصل والقلىفتختصم الآمال واليأس في الصّدر
ومنه قوله:
ولمّا لحقنا الظّاعنين وأرقلتجمال بنا تشكو الكلال ونوق
أثرن على خوف بأغصان فضّةمقوّمة أثمارهنّ عقيق
سلاما كأسقاط النّدى تحت ليلةسرى حين لم يعلم إليه طريق
وشكوى لو انّ الدمع لم يطف حرّهاتولّد منها بينهنّ حريق
ومنه قوله:
ألا لا أرى كالدّار إذ نحن جيرةتسافر فيما بيننا الكتب والرّسل
بسرّ أحاديث عذاب لو انّهاجنى النّحل لم تلفظ حلاوتها النّحل
ومنه قوله وتروى لغيره:
نضت عنها القميص لصبّ ماءفورّد خدّها فرط الحياء
فلما أن قضت وطرا وهمّتعلى عجل لتأخذ بالرّداء
رأت شخص الرقيب على تدانفأسبلت الظلام على الضّياء
فغاب الصّبح منها تحت ليلوظلّ الماء يقطر فوق ماء
ومنه قوله:
فيا ربّ يوم لا يواري نجومهمددت إلى المظلوم فيه يد النّصر
فسبحان ربّي ما لقوم أرى لهمكوامن أضعان كواكبها تسري
إذا ما اجتمعنا في النديّ تضاءلواكما خفيت مرضى الكواكب في الفجر
ومنه قوله:
قد تردّيت بالمكارم حوليوكفتني نفسي من الافتخار
أخزن الغيظ في قلوب الأعاديوأحلّ العدوّ دار الصّغار
أنا جيش إذا غدوت وحيداووحيد في الجحفل الجرّار
ومنه قوله:
سلي [بي] إذا ما الحرب دارت بأهلهاولم يك فيها للجبان قرار
وقام لها الأبطال بالبيض والقناوهبّت رياح الآخرين فطاروا
إذا شئت أو قدت البلاد حوافراوسارت ورائي هاشم ونزار
ومنه قوله:
كم فتنة لا قيت فيها فرصةفحسمتها ووثبت قبل وثوبها
أسد الفوارس في الوقائع لا تطاإلاّ على الأقران يوم حروبها
راعيت جانبها بلحظ حازمفطن بعقرب غلّة ودبيبها
بعزائم أغمرتها في ضمنةلا يكشف الأوهام ستر غيوبها
ولربّ سمع قد قرعت بحجّةهذّبتها من شكّها وعيوبها
أثنى عليها بالصواب حسودهاوقضى عليها خصمها بوجوبها
أعطى لها التوفيق من قسماتهبيضاء ساطعة لمن يسري بها
ومنه قوله:
جمّع الله لنا في إمامقتل البخل وأحيا السّماحا
إن عفا لم يلغ للّه حقّاأو سطا لم يخش منه جناحا
وله من رأيه عزماتوصل اللّه بهن النّجاحا
ومنه قوله:
أو كالسّماء على الأنام فحيثماكنتم رمتكم لفتة من خالق
لا تحسبوا اليوم الجديد كأمسكمأين الصباح من الظلام الغاسق
فطن الصنائع بالوفاء وأهلهوسيوفه يعرفن كلّ منافق
ومنه قوله:
جفوني وراموا موضعي فسباهمقصورهم عني وإني مع النّسر
تميل صروف الدهر حيث أميلهاوأقسمها حالين بالنهي والأمر
ومنه قوله:
تمري أنامله الدنيا لصاحبهاونصله من عداه قاطر دامي
كالسّهم يبعثه الرّامي فصفحتهتلقى الرّدى دونه والصيد للرامي
مستيقظ لا يفكّ الشكّ عزمتهكأن أوهامه أنصار أقوام
لا يشتكي الدهر إن خطب ألمّ بهإلا إلى صعدة أو حدّ صمصام
ومنه قوله:
قدحتم زناد الحرب أول مرّةلنا وخلعتم بيننا ربقة العهد
وفاخرتهم قوما بهم فاز قدحكموهم علّموكم في الملا حبوة المجد
فلذنا بركن الصّبر وانتصفت لناصوارم تعدينا إذا قلّ من يعدي
ومنه قوله:
ولمّا تلاقينا وهزّت رماحناوجرّد منها كلّ أبيض باتر
رأوا معشرا لا يبصر الموت غيرهمفما برحوا إلاّ برجم الحوافر
ومنه قوله:
يا من يدس لي العداوة صنعةأسريت لي فاصبر على الإدلاج
فتح العدا باب المكيدة والأذىفاعجب لخرّاج لها ولاّج
أنا كالمنيّة سقمها قدّامهاطورا وطورا تبتدي فتفاجي
ومنه قوله:
إذا أظلمت آراء قوم رماهمبرأي يجلّي الخطب والخطب مظلم
ويرعى صواب القوم منهم بفكرةإذا جمعت أقطاره نطق الفم
له كرم من نفسه وعطائهوبعض عطاء المفضلين تكرّم
إذا ما جنى الجاني وإن جلّ جرمهفغفرانه في سخطه يتحكّم
ومنه قوله:
أبا حسن ثبّتّ في الأمر وطأةوأدركتني في المعضلات الهزائز
وألبستني درعا عليّ حصينةفناديت صرف الدهر هل من مبارز
ومنه قوله:
أبت الحوادث أن يدوم بقاءأو أن يردّ قضاءهنّ قضاء
يعدو فتفترس النفوس كأنّهأسد توثّب في السّوام ضراء
والدّهر أهوج عاثر بخطامهعسر الخليقة هادم بنّاء
ومنه قوله:
وغرس من الأحباب غيّب في الثّرىوأسقته أجفاني بسحّ وقاطر
فأثمر همّا لا يبيد وحسرةلقلبي يجنّيها بأيدي الخواطر
ومنه قوله:
ما قرّ في أيدي قوابلهحتى أذيق الصّاب بالعسل
والدّهر لا يبقي على أحدوالموت هجّام على الأجل
ومنه قوله:
وإن فرصة أمكنت بالعدوّفلا تبد فعلك إلاّ بها
فإن لم تلج بابها مسرعاأتاك عدوّك من بابها
ومنه قوله:
أشكو إلى اللّه أخدانا من الزمنبرين جسمي بري القدح بالسّفن
وكلّ بي دون خلق الله كلّهمفليتني لم أر الدنيا ولم ترني
يا نفس صبرا وإلاّ فاهلكي جزعاإنّ الزمان على ما تكرهين بني
تلفّتي وسلي هذا وذاك وذابأنهم لم يخس دهر ولم يخن
لا تحسبي أنعما سرّتك صحّتهاإلاّ مفاتيح أبواب من الحزن
ما المرء إلاّ كعبد السّوء يضربهسوط الزمان ولا يمشي على السّفن
ومنه قوله:
مضى عجبي من كل شيء رأيتهوباتت لعينيّ الأمور اللّوابس
فإني رأيت الدّهر في كلّ ساعةيسير بنفس المرء والمرء جالس
وتقتاده الآجال حتى تحطّهإلى تربة فيها لهنّ فرائس
وأصدع شكّي باليقين وإنّنيلنفسي على بعض المساءة حابس
ومنه قوله:
إنما شيب الفتىناصح إن فعلا
ما على الناصح أنينتهي من جهلا
ومنه قوله:
رأت أقحوان الشّيب لاح وأذّنتملاحات أيّام الظبا بوداع
فقالت محاك الدّهر من صبغة الصّباوكنت من الفتيان خير متاع
ومنه قوله:
لا تقصرنّ عن الشّباب وطيبهونفاق رتبته على الأحباب
واغمره باللّذات ما صلحت لهفإذا مضى لم تبك فقد شباب
هذا الذي يبكي الشباب وطيبهأبدا ويرفع شيبه بخضاب
لو كان أعطى نفسه لذّاتهالتفرّغت بعد الصبا لمتاب
ومنه قوله:
تفقّد مساقط لحظ المريبفإنّ العيون وجوه القلوب
وطالع بوادره في الكلامفإنك تحيي ثمار الغيوب
ومنه قوله:
خلّ الذنوب صغيرهاوكبيرها فهو التّقى
كن مثل ماش فوق أرض الشّوك يحذر ما يرى
لا تحذرنّ صغيرهإنّ الجبال من الحصى
ومنه قوله:
وكيف التّصابي بعد ما ذهب الصّباوقد ملّ مقراضي عتاب مشيبي
خلت من طروقي كلّه وحجالهاوبانت كلاب الحي بعد هبوب
ومنه قوله:
فإن يكن المشيب طرا عليناوأودى بالبشاشة والشّباب
فإني لا أعذّبه بشيءأشدّ عليه من نتن الخضاب
رأيت الشّيب والحنّاء عذبافسلّطت العذاب على العذاب
ومنه قوله:
سابق إلى مالك ورّاثهما المرء في الدنيا بلبّاث
كم صامت يخنق أكياسهقد صاح في ميزان ميراث
ومنه قوله:
وعاقد فوق أموال يجمّعهاقد أصبحت بعده محلولة العقد
ومبرم أمره والدهر ينقضههل غالب الدهر يا للناس من أحد
وقوله في ضدّ هذا:
يا ربّ جود جرّ فقر امرئفقام للناس مقام الدّليل
فاشدد عرى مالك واستبقهفالبخل خير من سؤال البخيل
وقوله:
لم أخضب الشّيب للغوانيأرجو به عندها ودادا
لكن خضابي على شبابيلبست من فقده جرادا
وقوله:
غضبت شرير وأزمعت هجريوصغت ضمائرها إلى الغدر
قالت كبرت وشبت قلت لهاهذا غبار وقائع الدّهر
وقوله:
لست تنجو من كلّما حدت عنهفاسحب الصّبر دائما واستعنه
وتيقّظ إذا اضطررت إلى وصل عدوّ وكن على الخوف منه
وقوله:
وقلت لنفسي هل لجهلك غايةفقالت قد انتهيت منه إلى العلم
تردّد أنفاسي بباقي حشاشةضعيفة سلطان الحياة على جسمي
وأرخي لهم أنّي صحيح تجلديوكم تحت صبري لو تكشّف من كلم
وقوله:
ألست ترى شيبا لرأسي شاملاونت حيلتي فيه وضاق به ذرعي
كأنّ المقاريض التي تعتور بهمناقير طير تنتقي سبل الزّرع
وقوله:
كأنّ نجوم الدّجى في الدّجىموار يفرّقن عن صائد
وقوله:
وخلت نجوم اللّيل في حومة الدّجىحصاصا أرى منها النهار وأنقابا
وقوله:
كأنّ نجوم الزهر في حجراتهادراهم زيف لم يحزن على نقد
وقوله:
وقفت نهار الصّبح ينتهب الدّجىبأضوائه والشّهب تركض في الغرب
وقوله:
كأنّ نجوم اللّيل في حومة الدّجىرؤوس مدار ركّبت في معاجز
وقوله:
كأنّما الجوزاء في أعلى الأفقأغصان نور أو وشاح من ورق
وقوله:
وقد صيغت الجوزاء حتى كأنّهاوراء نجوم هاويات وغوّر
صنوج على رقّاصة قد تمايلتلتلهي سربا بين دفّ ومزهر
وقوله:
قد لاحت الشّعرى وجوزاؤهاكمثل زجّ جرّه رامح
وقوله:
وقد لاح للساري سهيل كأنّهعلى كلّ نجم في السّماء رقيب
وقوله:
ورنا إليّ الفرقدان كما رنتزرقاء تنظر من نقاب أسود
وقوله:
قد صيغت العقرب للمغارببذنب كصولجان اللاّعب
وقوله في الثريا، وتسمّيها العرب: النجم:
والنجم في غرّة فجر مسرجكالمستظلّ باللّهب المزجّج
وقوله:
والنجم في طرّة ليل مسفركأنه غرّة مهر أشقر
وقوله:
والثّريّا مثل كأسحين تبدو ثم تغرب
وكأن الشرق ساقوكأن الغرب يشرب
وقوله:
وأرى الثّريّا في السماء كأنّهاقدم تبدّت في ثياب حداد
وقوله:
فناولنيها والثريّا كأنّهاجنى نرجس حيّا الندامى به السّاقي
وقوله:
والثّريّا كنور غصنعلى الغرب قد نثر
وقوله:
كأنّ الثّريّا في أواخر ليلهاتفتّح نور أو لجام مفضّض
وقوله فيها وقد طلعت عند الصباح:
والصّبح في أفقهذو غرّة واقده
تهوي الثّريّا لهفي غربها ساجده
وقوله:
وقد لاحت لساريها الثّريّاكأنّ نجومها نور الأقاحي
وقوله:
والنجم في أخريات اللّيل مضطربكأنه خابط في لجّة غرق
وقوله فيها وقد طلعت عند الصباح:
وكأنّ الصّبح لمّالاح من تحت الثّريّا
ملك أقبل في التاج تقرّى وتحيّا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع