من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
بهاء الدين ابن النحاس
محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبي نصر، أبو عبد الله الحلبي، شيخ العربية بالديار المصرية. طالما سهر جفنه للسهر بالإغراء، ورفع خبر ليله بمبتدأ الليلة الغرّا. برع بمصر ففاض فيض النيل في جنباتها، وقال مقيل النعيم في جنّاتها. وكان محسودا على ما أتاه الله من
فضله، وواتاه من حسن فعله إلاّ أنّ حساده على كثرة عددهم لم يجمعوا لديه إلا جمع القلّة، ولا متّ الصحيح إليه إلاّ بما يلزمه من حروف العلّة؛ لعلوّ رتبة اخترق أطباقها، وجارى النجوم وبذّ سباقها فحلّ النجاد، وخلّى البجاد وأجاد، وغيره في أبي جاد.
ولد في سلخ جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمئة بحلب. وسمع ابن الليثي وابن النفيس النحوي وابن رواحة وابن خليل ووالده. وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي، وأخذ العربية عن الجمال بن عمرون، واستوطن مصر لمّا خربت حلب.
وقرأ على الكمال الضرير وغيره. ثم جلس للإفادة، وتخرج به جماعة من الأئمة وفضلاء الأدب، وكان من الأذكياء. وله خبرة بالمنطق وأقليدس، وكان مشهورا بالصدق والعدالة والدين مع اطّراح الكلفة وصغر العمامة ويمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه. وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة، وكان له مكانة من الناس. وإذا انفرد بشهادة حكم فيها، واقتنى كتبا كثيرة نفيسة، ولم يتزوج. وكان له أوراد من العبادة، كثير التلاوة، كثير الذكر. يسعى في مصالح الناس.
قال أبو الصفا: حكى لي عنه القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القيسراني أنه لم يأكل العنب، قال: لأنه كان يحبّه فآثر أن يكون نصيبه في الجنّة.
وقال: أخبرني الحافظ ابن سيد الناس اليغمري، قال: زكّى بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكّاها أحد قطّ؛ لأنه أمسك بيد المزكي، وقال للقاضي: الناس ما يقولون: ما نؤمن على الذهب والفضة إلاّ حمار. قال: نعم. قال: وهذا حمار. وانصرف بحكم القاضي بعدالة ذلك المزكي.
قال: وأخبرني غير واحد عنه أنه لم يزل عنده في بيته من الطلبة ومن أصحابه من يأكل عنده على ما يديه، ولا يدخر شيئا، ولا يخبئه عنهم. ويدخل الداخل عليه فيجد في بيته هنا أناس يلعبون بالشطرنج وهنا أناس يطالعون وكل واحد في شأنه، لا ينكر أحد على أحد شيئا، ولا يزال رضيا حتى يكون وقت الاشتغال فيتنكّر. وكان ربّما تنسّم فقام وأكمل إلقاء الدروس للطلبة بين القصرين وهم يمشون. وكان لا يتكلم في حلّ النحو إلاّ بلغة العوام، لا يراعي الإعراب.
قال شيخنا أبو حيّان: كان بهاء الدين ابن النحاس، ومحيي الدين محمد بن عبد العزيز الماروني، المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحدا أكثر سماعا منه لكتب الأدب. وانفرد بسماع الصحاح للجوهري. وكان ينهى عن الخوض في العقائد، ويتردد إلى من ينتمي إلى الخير. ولي التفسير بالجامع الطولوني وبالقبة المنصورية، والتصدر بالجامع الأقمر وتصادير بمصر، ولم يصنف شيئا إلاّ ما أملاه على سنان الدين الرومي شرحا لكتاب المقرّب، إلى أول باب الوقف أو نحوه. وكنت أنا وإيّاه يمشي بين القصرين فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعا، فقال ابن النحاس: لينظم كلّ منّا في هذا المصارع. فنظم ابن النحاس:
مصارع تصرع الآساد سمرتهتيها فكل مليح دونه همج
لما غدا راجحا في الحسن قلت لهمعن حسنه حدّثوا عنه ولا حرج
ونظم شيخنا أبو حيّان:
سباني جمال من مليح مصارععليه دلال للملاحة واضح
لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونهوإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح
وسمع شهاب الدين الفزاري بذلك فقال:
هل حكم ينصفني في هوىمصارع يصرع أسد الشّرى
مذ فرّ مني الصبر في حبّهحكى عليه مدمعي ما جرى
أباح قتلي في الهوى عامداوقال لي كم عاشق في الورى
رميته في أسرجيّ ومنأجفان عينيه أخذت الكرى
قال أبو حيّان: وانشدني ابن النحاس لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي وقد كلّفه أن يشتري له قطرا:
أيّها الأوحد الرضيّ الذي طال علاء وطاب في الناس نشرا
أنت بحر لا غرو إن نحن (مواقيناك راجين من نداك قطرا
وقال يرثي الشيخ أحمد المصري النحوي:
عزاؤك زين الدين في الواحد الّذيبكته بنو الآداب مثنى وواحدا
هم فقدوا منه الخليل بن أحمدوأنت ففارقت الخليل وأحمدا
وقال مما يكتب على منديل:
ضاع مني خصر الحبيب نحولافلهذا الضّحى عليه أدور
لطفت حرقتي ورقّت فجلّتعن نظير مما حكتها الحضور
وقال:
إني تركت لذا الورى دنياهموظللت أنتظر الممات وأرقب
وقطعت في الدنيا العلائق ليس ليولد يموت ولا عقار يخرب
وقال:
قلت لمّا شرطوه وجرىدمعه القاني على الخدّ اليقق
ليس بدعا ما أتوني فعلههو بدر ستروه بالشّفق
توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء. سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وستمئة وغالب روايات شيخنا أبو حيّان. كتب الأدب عنه، وكتب الخط الفائق. وقيل: كان يحفظ ثلث الصحاح للجوهري.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع